الجمعة، 17 أبريل، 2009

عطلة الفصح

كنا قد تلقينا دعوة من صديقتنا "هيلينا"، ومن غيرها في هذه النيوكاسل، التي كانت للإقامة في بيتها ثلاثة أيام من يوم السبت حتى الاثنين يوم العطلة المصرفية (Bank Holiday)، مقترحة خلال هذه الأيام مجموعة من الزيارات والنشاطات ووليمة إنجليزية تجمع الأصدقاء ورحلة إلى مدينة هِكسام (Hexham).
هذه الدعوة الكريمة حملت لنا بعض المفاجأة، لا أنكر، فأنا لا أنسى أبداً إنها فتاة إنجليزية، وكم للانجليز من محاذير، وكم تندر العالم من شرقه لغربه بنوادر حرصهم وحتى بخلهم، لكن هذه التجربة العالمية على اتساعها لا تمد بصلة لتجربتي الشخصية المتواضعة والمحدودة، لا أنا ولا زوجي، وعندما سأعود لبلدي، سأحكي عن كرم إنجليزي منقطع النظير، تمثل في هذه الفتاة.
بلطف اعتذرنا عن المبيت في منزلها بالرغم من حماسي الشديد للفكرة، إلا أن زوجي كان له رأي مخالف، فلم يشأ أن يثقل على الفتاة، وغير ذلك كنا على أهبة الاستعداد.
الجمعة، هي الجمعة العظيمة وما يصاحبها بما يعرف باحتفالات عيد الإيستر أو عيد الفصح، وأهم مظاهره هو انتشار بيع أشكال مختلفة وجميلة من البيض المصنوع من الشوكلاتة والحلوى بأشكال بديعة، ورغم قدم هذا التقليد وانتشار الظاهرة كظاهرة تجارية بحتة، تفيض بها المحلات، وإقبال الإنجليز وغير الإنجليز (غير المسيحيين) على شراء البيض الشوكلاتي الملون البديع، إلا انه يندر أن تجد من يفسر لك دلالة هذا الرمز المسيحي، وهو رمز البيضة .
ولمن لا يعلم ففي المعتقد المسيحي أن البيضة بقشرتها الصلبة القاسية من الخارج تحمل في داخلها حياة باحتوائها على (ألاح والمح)، وهو ما يكون الجنين فيما بعد، وقبر السيد المسيح وان كان ظاهره يدل على مجرد التابوت القاسي (القشرة)، الذي يحوي جسداً ميتاً، إلا أن يسوع حسب المعتقد المسيحي كان حيا وخرج من قلبه.
يوم الأحد الموافق: 12/4/2009، قام المسيحيين المتدينين بإحياء طقسٍ آخر، وهو حضور شروق الشمس عند شاطئ البحر، وموعد اللقاء والتجمع كان الرابعة صباحاً، للذهاب إلى شاطئ التاينموث (Tynemouth)، واستقبال الشمس في إشراقها بالترانيم والصلاوات، وكانت الساعة السادسة عندما بدأ خيطٌ أبيض في الأفق بالظهور. وكنا في استقباله على رمال الشاطئ الباردة، التي تلونت بتغير الأضواء، أما البحر فكان يعكس ما يعرضه الأفق من ألوان ومباهج.
بعد ذلك اتجهنا إلى بيت "هيلينا" لغداء انجليزي تقليدي لذيذ قوامه دجاج مشوي، ولأن الجو كان مشمساً ودافئاً قررنا الخروج للحديقة المجاورة.
في تعليق سابقٍ كتبه الدكتور "غازي القبلاوي"، أشار إن القلاع والحصون من أهم ركائز الثقافة والحضارة الانجليزية، وتجربتي المتواضعة في هذه البلد أكدت لي ذلك، وإضافة، في ظني إن الحدائق والمتنزهات ركيزة أخرى للثقافة الانجليزية الحديثة، وأقول الحديثة، لأن لا علم لي ولا إلمام بالتاريخ الانجليزي، ولن أدعي كذباً عليه، فيمكننا القول إنه في كل منطقة سكنية (حديقة جميلة)، والتأكيد على جميلة، ويؤسفني المقارنة هنا عندما أتذكر حدائق طرابلس (الخربة) التي تحولت وتتحول إلى مجمع للقمامة، أمام حدائق نيوكاسل الغناء، الرحبة، الجميلة، الواسعة، النظيفة، المرحبة بالجميع، الكبار والصغار، الأفراد والعائلات فلا مضايقات ولا استراق بصر أو سمع، متنفس للجميع.

انتهت جولتنا على وعدٍ باللقاء صباح الاثنين (13/4/2009) بمحطة قطارات نيوكاسل للتجمع والذهاب لوجهتنا (هِكسام-Hexham).

كانت الساعة الـ10:30 عندما التقينا المجموعة، والتي تكونت من: هيلينا، دورثي، سارة، دنكن. ولكن أين ستيوارت، أجابت سارة:

- للأسف، "ستيورات" يشتكي من وعكة صحية، لم تمكنه من الانضمام إلينا.

علقت:

- ياااه، لقد فقدت الرحلة أحد أهم عناصرها المهمة.

"ستيوارت" شاب أيرلندي الأصل، سكن نيوكاسل قبل 10 سنوات عندما جاءها دارساً، يعمل كأخصائي اجتماعي لكبار السن، وهو مثقف، متدين، يحب السياسة والحديث عنها، وكم أدهشني معرفته بالعقيد "معمر القدافي" وكيف تحدث عنه وعن الكتاب الأخضر –الذي يملك نسخة منه-، وعن علاقة ليبيا وبريطانيا.

أردفت:

- ربما اختبار الفيزياء هو السبب.

انتبهت سارة لقولي:

- فيزياء، ماذا تعنين؟

فأخبرناها قصة "ستيورات" مع الفيزياء، ففي اليوم السابق، ونحن على طاولة الغداء، تطرق الحديث لعمل "كارن" الجديد، وهو تدريس الرياضيات والفيزياء ليومين في الأسبوع لمجموعة من الطلبة اليهود، وهنا علق رامز:

- رياضيات وفيزياء، كم أحبهما.

علق ستيورات:

- أنا لا علاقة لي لا بالرياضيات ولا الفيزياء.

أردف رامز:

- ستيوارت، الرياضيات ممكن، لكن كل شيء من حولنا فيزياء.

أصر ستيوارت على إنه لا يعرف شيئاً عن الفيزياء، وأكد حتى الأساسيات والأمور البديهية، فكان أن أجرينا له اختبار، فسألته كارن:

- ما هو سبب تعدد ألوان قوس قزح؟

ستيوارت: يفكر.. لا إجابة.

ثم سألته:

- لماذا نرى البرق قبل الاستماع لصوت الرعد؟

ستيوارت: يفكر.. لا إجابة

سأله رامز:

- ما الذي يجعل الكرة التي في يدي تسقط للأسف عند رميها للأعلى؟

ستيوارت: يفكر.. تدخل هيلينا:

- ما اسم القوة التي تسحب الكرة لأسفل، هيا ستيوارت، أجب.

يقفز ستيوارت:

- إنها الجاذبية.

صعدنا القطار، وتحرك بنا، كان يسير في هدوء، وكان صغيراً ليس القطار الذي استقليناه إلى لندن. وصلنا محطة (هكسام)، ومن فورنا اتجها إلى وسط المدينة.

هكسام مدينة صغيرة وقديمة، طابعها أشبه بالقرية، بدأت رحلتنا بمرورنا بالسجن القديم، ولاحظت أنه أمام السجن توجد منصبة العقاب التي تحبس رأس ويدي المجرم، وعرفت إنها قديمة وإن السجن تحول إلى متحف، وهو يحتوي على مجموعة من الزنزانات التي وضعت بها دمى تمثل السجناء والحياة الاجتماعية في السجن.

انتقلنا إلى ساحة المدينة، حيث واجهتنا كنيسة هكسام، ولفت انتباهي بناء قديم جداً، انتصب تحته مجموعة من الباعة لبيع الزهور والبذور وطعام الطيور، وبعض الإكسسوارات.

قصدنا الكنيسة، والكنائس في بريطانيا معظمها قديمة، وهي أكثر من مكان عبادة، فهي متحف تجد فيه الكثير من المعروضات لأيقونات وأديرة تعبد قديمة، كما إن النقوش الموجودة على الجدران والبلاطات تسجل الكثير من التواريخ المهمة كأسماء الأساقفة والمتعبدين والأحداث المهمة للمنطقة.

تقدمت هيلينا من المشرف وقالت له:

- هل السرداب مفتوح للزوار.

فأجاب:

- نعم، لكن علي أن أنبه، إن أول ثلاث درجات ترتفع 15 بوصة، والثلاث التي تليها ترتفع 10 بوصات، والتي تليها 5 بوصات.

وكان يكرر هذا التنبيه لكلٍ منا قبل نزوله للسرداب.

ونزلنا إلى السرداب الذي يعود تاريخه إلى القرن السابع الميلادي، والموسوم على اسم سنت ويلفرد، واحداً تلو الآخر، الجود بارد ورائحة الرطوبة قوية. كان المكان ضيقاً وغير مرتفع. لم أستطع البقاء واحتمال الضغط فخرجت ورامز سريعاً.

خرجنا بعد تجولنا بالكنيسة وكانت الساعة قد قاربت الـ12:30، فقررنا الذهب لحديقة هكسام للاستراحة وتناول الغداء. وهذا ماكان. جلسنا على كرسيين وتقاسمنا ما جلبنا من غداء واختلط الحديث والأكل والغناء، على خلفية هرج ولعب الأطفال.

بعد الغداء اقترحت دورثي وهلينا أن نلعب لعبة البحث عن البيض، ستتقدمانا، وعلينا تتبعهما وجمع البيض الذي سيخبأنه. كانت أولى البيضات من نصيبي، وفاز دنكن بالثانية، نزلنا إلى الجدول بهرنا المكان وهنا التقط رامز واحدة، لتلتقط سارة أخرى، لنجد أنفسنا أمام نحتٍ جميل لبومتين من جذع شجرة، حتى صاح رامز إنه وجد بيضان أخرتان.

وصلنا نهاية الحديقة، وانقسمنا إلى قسمين، سارة ودنكن اختارا التجول في المدينة، أما البقية فتلبية لرغبة دورثي سنتجه إلى محلات الجمعيات الخيرية، قلت:
- هذه فرصة جيدة للبحث عن المزيد من كتب الكيك ديكوريتنج.
علقت هيلينا:
- ألم تكتفي بعد يا كريمة.

وهكذا بدأت جولتنا وكنت حال دخولي للمحل، أتجه مباشرة إلى ركن الكتب المستعملة، وأطلب من رامز مساعدتي في البحث، ولله الحمد استطعت الحصول على كتابين قيمين عن صناعة وفن تزيين الكيك وتشكيل الشكولاتة.

كان الوقت يزحف بسرعة، لذا اخترنا أن نتناول بعض المشروبات في أحد المقاهي، واخترنا مقهى هو في ذات الوقت معرض فني.

جلسنا الستة، وتحولنا من الحديث عن اللوحات للحديث عن الطقس وتشعب الحديث، تارة يقول رامز نكتة، أخرى يعلق دنكن، تقفز هلينا بطرفة أو موقف، أشاكس ساره الهادئة، حتى دورثي لم تبخل ببعض القصص.

لكن سيف الوقت لا يرحم، ومواعيد القطارات محدودة في عطلة المصارف، وكان علينا المغادرة، والعودة إلى نيوكاسل. وبالمناسبة كنا في ذات التاريخ من العام الماضي في هولي إيلند.

هناك 7 تعليقات:

naohama يقول...

رائع كريمة الوصف احالني لجو العطلة والرفقة الطيبة
والصور جميلة
اللقاءات الانسانية مثل هذه تعزز الترابط والعلاقات
وتوسع دائرة التفاهم بين الثقافات المختلفة
قراء ممتعة
شكرا لك

Hamlet يقول...

لم أتمتع بالبانك هوليدي، لكن والأن، وأنا أقرأ هذه التدوينة، شعرتُ بأنني كنتُ أحاول مسابقة رامز في البحث عن البيض.

بمناسبة ذكر البيض. لقيت وحدة في الثلاجة توا هاهاهاها

رائع يا كريمة

محمد

abdullah SH يقول...

كويس انك ورامز استمتعتو بوقتكم بعد صقيع الانجليز الرهيب ورحلة السنه اللى فاتت قاعده فى البال وياريت كنتى تصحبيها بفيديو زى الرحله اللى فاتت ..

سعدنا بعودتك ابله كريمه...

ســـلام

كريمة الفاسي يقول...

أهلين ياليلى نورتي وآنستي.
شكرا لمرورك الكريم بمدونتي، على فكرة البارح شفت الحلقة الثانية من برنامجBritain get talents وكانت الحلقة حلوة، ياترى شفتيها وشفتي الطفل شاهين.

كريمة الفاسي يقول...

أهلين يا هملت، معقولة هيلينا رجليها طوال لحقت تمشي لمانشستر تحطلك دحية في الثلاجة وتجي بدون ما نحسوا بيها.
باهي يا هملت احنا البيض كان شوكولاتة وكليناه على طول، بس البيضة اللي انت لقيتها تتاكل على طول والا تبي تطييب.
اسعدني مرورك بمدونتي ومرحبا بك في كل لحظة

كريمة الفاسي يقول...

أهلين ياعبد الله.
بارك الله فيك قاعد تذكر في الادراج السابق فعلا هذه الذكرى السنوية ليه بالزبط وكان رحلة البانك هوليداي بتاع العام اللي فات، لكن انا عندي مشكلة مع مدونتك مش عارفة كيف نخشلها او نتصفحها ومش فاهمة انت شفرتها والا شنو.
واذا فعلا شفرتها يا عبد الله ليش التشفير ليش تحجب فيها عن الناس وانت مدونتك من المدونات القيمة واللي تعطي واجهة جميلة عن ليبيا يكفي اسمها(هايم في حب بلادي) خلي التشفير للناس التعبانة واللي يبوا ستار يدسوا رووسهم وراه وما عندهمش شن يعطوا لكن مدونتك انت لازم تكون زي الشمس تشع للجميع

بنت الناس يقول...

أعجبت بموضوعكِ ووصفك لهذه التجربة
موضوعك عكس مدى التعايش بينكِ (أنت المسلمة) وبين أصدقائك الإنجليز (كمسيحيين)

أشكركِ