الاثنين، 25 أغسطس، 2008

تعقيباً على: لا ترسلوهن: فماذا بعد إيفاد الليبيات العازبات للدراسة في الخارج؟

تحية طيبة وبعد.
لم أدر أن نشري لهذا الموضوع سيثير هذا الكم من التعليقات الغاضبة من حولي، فهذا الإدراج كان من باب الوقوف على أحدى الظواهر التي نعيشها كمجتمع ليبي صغير في مدينة نيوكاسل (بريطانيا)، حيث لا يقل عدد الأسر الليبية المتواجدة هنا عن الخمسين أسرة ليبية، هذا دون حساب الموفدين غير المصحوبين (من شبابٍ وشابات).

وكما عرّفت مدونتي، فهي يوميات (أو شبه يوميات) أجمع فيها بعض الملاحظات عن حياة الجالية الليبية في هذه المدينة، لذا فإني بشكل أساسي أحاول مناقشة ما يدور من ظواهر اجتماعية، سواء كانت هذه الظواهر نتاجٍ مباشر عن جاليتنا الليبية هنا، أو ما يتماس معها.
وموضوع الموفدات غير المصحوبات (أو العازبات)، يندرج تحت هذا البند، فهن كمجموع في هذه الجالية يمثلن رقماً لا يستهان به، ومن السهل تميزهن في هذه الجالية الليبية، كون أغلب الليبيون يسكنون قريباً من بعض، بالتالي من السهل على العين التقاطهن والسؤال عنهن. فعدد الموفدات غير المصحوبات (أو العازبات) يقدر بما يزيد عن الـ(15) موفدة، يدرسن تخصصات مختلفة، وهن يسكنّ بشكل جماعي: من اثنين إلى ثلاثة في كل منزل. أو يشاركن غيرهن من الطالبات العربيات أو الأجنبيات وحتى العائلات الإنجليزية أو الباكستانية والهندية المسلمة.
صدمني هنا وجود هؤلاء الموفدات دون صحبة، وأعني الصحبة الشرعية، فقبل وجودي بنيوكاسل. فحينما كنت أسمع عن إيفادٍ لطالبةٍ، فإنه عادة ما يذكر إنها إما تزوجت، أو ذهبت بصحبة أحد أفراد أسرتها لإكمال دراستها. لكن ما عشته وعاينته هنا هو العكس تماماً، وهو ما أوقفني في مواجهة الحقيقة، أو الهوة التي يعيشها مجتمعنا ويتعامل بها مع مثل هذه الأمور، ففي الوقت الذي يؤكد فيه مجتمعنا –المحافظ- على تمسكه بقيم الإسلام وعاداته، فإنه لا يرى من ضير لإرسال ابنته دون محرم للدراسة بالخارج، خاصة وإن كان هذا الخارج غير مسلم ويكن للإسلام الكثير من الحقد والضغينة.
أكثر من 15 موفدة دون محرم، كيف يمكن تقبل مثل هذا الأمر؟!، خاصة وإن مدة الإيفاد تتراوح بين: الثلاث سنوات –لإجازة الماجستير-، والأربع سنوات –لإجازة الدكتوراه- وقد تصل لخمس سنوات. حتى لو قلنا أن أحد أفراد الأسرة كان بصحبتها وأمّن لها مكان الإقامة في البداية، إلا أن الشريعة لم تبح للمرأة المسلمة أن تبقى بعيداً عن أسرتها دون محرم شرعي. أو السكن مع أجنبية (أو أجنبيات) هن في الحرمة كحركة الرجل. هذا يؤكد إن مجتمعنا الليبي، تخلى عما يظهره من تمسك بالعادات والتقاليد، والتأكيد على أصالته. فمثلاً: (حنى نوصلوا البنت للجامعة ونروحوا بيها. ونرفعوها لحوش صاحبتها بعد ما نسألوا على عايلتها، وإذا تخرجت من الجامعة وتحصلت على فرصة إيفاد، يخلوها تطلع بره بروحها). إحدى الموفدات غير المصحوبات (العازبات) أقسمت لي إنها لم تبت ليلة واحدة خارج بيت والدها، الذي كان يعارض ذلك بشدة، حتى لبيت الأعمام والأخوال. لكنه أرسلها لبريطانيا عند تحصلها على الإيفاد. أي تناقضٍ هذا اللي نعيشه. وكيف يمكننا تفسير هذا الأمر:
- إن كان إرساله لها يعني ثقته بها، فكان الأولى أن تكون ثقته أكبر وهي بين عائلتها وأسرتها، ومجتمعها المسلم.
- أما منحها الفرصة للحصول على أعلى الشهادات، فكان لابد له من التضحية بصحبته ابنته، أو أحد محارمها.
- وإن كان الإيفاد يعني ما يتقاضاه الموفد من منحة بالعملة الصعبة، ولذلك يرسل ابنته، فهي لعمري ثالثة الأثافي.
إن مسؤولية الأسرة لا تقف عند تأمين متطلبات الموفدة غير المصحوبة (العازبة) في بداية تواجدها، إنما يتعدها للمشاكل التي من الممكن أن تتعرض لها الفتاة، فكما حدث لمجموعة من الموفدات إلى (كندا)، فقد تأخر التفويض المالي للموفدات لحوالي 3 أشهر، مما أجبر بعضهن على العودة، لأنهن لم يستطعن تدبير أمورهن، أما سعيدة الحظ فقد أرسل لها أهلها ما يلزمها.
ثاني الأمور التي حدت بي لكتابة هذا الموضوع، هو ما تعيشه هؤلاء الموفدات من حالة صدام حضاري أو لنقل حصار فرضنه على أنفسهن نتيجة عدم تقبل الأسر والعائلات الليبية لهن، وإبعادهن عن محيطهن قدر الإمكان. فهن لا يحضرن المناسبات التي تقام أو اللقاءات الاجتماعية، ولا حتى حفلات المعايدة التي يقيمها اتحاد الطلاب (وهن عضوات به، ويدفعن بشكل شهري لمكتب الطلبة). إنهن يعشن في عزلة مزدوجة:
- عزلتهن بإقصائهن أنفسهن، وإدراكهن لحقيقة عودتهن للبلاد، وليبيا بلد صغير، من السهل أن تنتشر فيه الحكايات.
- وعزل المجتمع هنا لهن، وعدم تقبله لهن.
بالتالي قد تدفعهن العزلة إلى ممارسة حياة المجتمع الذي يفتح لهن بابه ونعني المجتمع الأجنبي، لأنه مجتمع منفتح ولا مكان فيه للحواجز، وعليك وحدك أن تتحمل مسؤولية ما يحدث.
صدقوني، إن الأمر أكبر مما حاولت كتابته، وإنه الجرح العميق بالخاصرة، فهؤلاء الموفدات جزء من نسيجنا الوطني لابد من الحفاظ عليه، وما أوردته هو ما يدور هنا في نيوكاسل، حتى المفردات والصفات هي الصفات التي تستخدم هنا في هذه المدينة الإنجليزية. لقد قمت برفع الغطاء فقط.
أما فيما يخص التعليقات:
شكراً للإخوة المعلقين وللأمانة قمت بنشر التعليقات كلها دون حذف أي منها، والتي تفاوتت من تحليل فعّال وموضوعي لمشكلة حقيقية قائمة نغفل عنها (بغض النظر اتفقنا أو اختلفنا)، إلى القراءة السطحية على مبدأ (لا تقربوا الصلاة) والاختفاء وراء الأسماء المستعارة أو اللا أسماء، إلى الإهانة والتجريح والسباب، مع تعليق وحيد لـ"نسيم ليبيا" يلطف الأجواء مع ملاحظة أن هذا أول إدراج في مجموع الـ24 إدراجاً تصلني فيه تعليقات مجهولة الهوية وبدون أسماء أو تعريفات لأصحابها. ما الذي يعنيه ذلك:
1- أن هذه التعليقات لا تحمل أياً من أشكال المصداقية، لأنها تختفي وراء المجهول، والشجاع منها ذكر اسماً مجرداً كـ: حميدة/ الراجحي.
فهناك 12 تعليقاً هجومياً مجهولة النسب من أصل 22 تعليقاً، وتعليقان باسمين مجردين أو منكرين (بمعني غير معرفين من النكرة، حتى لا تفهم إنها من المنكر). (حتى تاريخ هذا الإدراج).
2- أن تكون بعض هذه التعليقات وردت عن شخص واحد، أو شخصين، تبادلا الكتابة، للشبه الكبير بين الأسلوب في بعضها.
3- أننا لا نزال نتخبط في حالة من البدائية يعكسها أسلوب مناقشة المعلقين للموضوع، وأننا أبعد ما نكون عن النقاش الشفاف السليم. الأمر الذي يميع طرحنا للقضية ويبعد الكثير عن مناقشتها بطريقة سليمة. وأنا لا نزال ندس رؤوسنا في التراب على طريقة صديقتنا النعامة، ونخاف من يعرينا أمام عيوبنا، نكرهها ونكرهه، نغطي (عين الشمس بالغربال) و لا نزال ننحدر إلى الأسوأ والأسوأ.
وعلى كل حال، أدعوكم لمعاودة قراءة الموضوع، والتعامل معه بشكل موضوعي وشفاف، لأن الكثير من التعليقات أعتقد إنها لم تتجاوز القراءة السطحية، ووقفت عند بعض النقاط. فمثلا:
- استنكرت بعض التعليقات استخدامي لمفردة (عانس) وأنا أتبعتها باعتذار، لكن الأمر في حقيقته أنه المصطلح المستخدم هنا في وسط المجتمع الليبي شئنا أم أبينا.
- كما وعلق البعض على جملة (ماحد يأمنلها تدخل بيته). كيف يمكنني إنكار هذا الواقع، فهن غير مدعوات للقاءات النسوية ولا الحفلات. في رمضان مثلا قد يدعوا الزوج زميله الموفد غير المصحوب (العازب)، وهذا يحدث كثيراً. أما الموفدة غير المصحوبة (العازبة) فلا بيت مفتوح لها.
- بعض التعليقات استغربت من تلميحي لما يتقاضينه من منحة شهرية، وإشارتي كانت أن هذه المنحة تفتح أمامهن الكثير ليفكرن بإجراء عمليات التجميل والتنقل والسفر الداخلي.
- أما مسألة الشرف، فالله يشهد أني لم ألمزهن ولم أقذفهن في أعراضهن، لأني أعلم مقدار الإثم الذي يلحقني جراء قذفي أو لمزي لهن. أما من نالني في تعليقه، فالله كفيل به. ومسألة الأسماء فقد أشرت في نهاية الإدراج، أن الأسماء المستخدمة هي أسماء مستعارة وغير حقيقية.
- بخصوص التعميم، أنا لم أعمم، أنا حددت منذ البداية المجتمع الذي أتحدث عنه، وهو الجالية الليبية المكونة من الطلبة الموفدين للدراسة ببريطانيا وتحديدا، مدينة نيوكاسل (أو كما تعرف: نيوكاسل التي على ظهر التاين).
- بخصوص الصدق من عدمه، خاصة لمن علق أنه لا يصدق ما أقول، فالله يشهد على صدقي وتوخي لقول الحقيقة والصدق، وسيحاسبني الله حال كذبي.
- في موضوع التفوق، أنا سعيدة لأن هناك متفوقون (شباب وفتيات) تحصلوا على فرصة إكمال تعليمهم بالخارج، لأن اللذين يتحصلون على البعثات هم أصحاب (الواسطات والكتوف العراض). الأمر لا علاقة له بالاجتهاد. خاصة في وجود أكثر من حالة لطلبة تخطوا مدة الإيفاد بكثير حتى وصل بعضهم لعشر سنوات لتحصيل شهادة الدكتوراه، ولم يتحصل عليها بعد. يعني: هذا خدى دوره، ودور اللي بعده.
- ثم لا أعرف إن كانت بعض التعليقات هي لموفدات للدراسة بالخارج، أو درسن أم لا؟
في الختام دعوني أدعوكم لقراءة ما كتبته مدونة (هايم في حب بلادي) حول هذا الموضوع تحت عنوان (الــعــريــس VS أخـتـى حـواء ... الـدراســه)، وأعتقد إن طرح صاحب المدونة، كان طرحاً موضوعياً. وأسرد لكم هذه القصة التي جرت في أحد اللقاءات النسوية. وكانت بمناسبة وضع أحد السيدات الليبيات لابنها البكر (السْبوع)، وتطرق الحديث إلى الموفدات غير المصحوبات (العازبات)، وهن كالعادة لم يكن مدعوات. فانبرت إحدى السيدات بالدفاع عنهن، كون أختها موفدة للدراسة بالخارج (بكندا)، وتعيش لوحدها، بعد شهر من صحبة أخيها لها. لكن أحدى السيدات أحرجتها بسؤالها:
- باهي، ترضوا تجيبوا كنه، قعدت سنتين أو أربع سنين تقرا بره بروحها.
صمتت السيدة، ولم تتكلم، وتحت الإلحاح أجابت:
- (هزت برأسها).. لا منجيبوهاش.

الثلاثاء، 19 أغسطس، 2008

لا ترسلوهن: فماذا بعد إيفاد الليبيات العازبات للدراسة في الخارج؟

خروج الليبيات العازبات للدراسة في الخارج تدعمهن الدولة بمنحة لا بأس بها، أمر كان لا يعنيني لا من قريب ولا من بعيد، لعلني في العموم كنت أشجع تعليم البنات ودعمهن كما علمنا أبي نحن البنات السبع ووضع حدود لسطوة الإخوة الذكور وغير ذلك. مسألة مثل مسألة إرسال الفتيات لوحدهن للدراسة لم تشغلني مطلقا لآني كنت متزوجة من جهة، ومن جهة أخرى كنت سأفكر: أن هنالك فتيات الواحدة منهن بعشرة رجال، ومن جهة ثالثة اشتراط الشريعة لمحرم عند سفر المسلمة، ومن جهة رابعة البعثات وما أدراك ما البعثات موضوع يحتاج (واسطة قوية وكتوف عراض ما نقدرش عليهم).
أما لمن يتساءل عن سبب وجودي هنا في بريطانيا فليست بعثة تعليمية طبعاً، أنا مرافقة لزوجي الذي أرسل لدورة تدريبية عن طريق الشركة التي يعمل بها.
وهنا في انجلترا عند وصولي سمعت من الليبيات في نيوكاسل عن شخصيتين، الأولى سيدة ليبية أحضرت معها أمها التي ليس لها من الأبناء غيرها عندما أرسل زوجها للدراسة، والثانية فتاة ليبية تحضر الماجستير وتعيش وحيدة، فبيّت النية على البحث عنهما وأحببت آن أتعرف على هاتين الشخصيتين، وهنا بيت القصيد.

السيدة البارة بأمها قاتلت المستحيل لتحظي الوالدة بفيزا لدخول انجلترا، فذلك ليس بالأمر السهل فالزوجة مرافقة والأم مرافقة أخرى مع الأطفال وحكاية طويلة. أما الفتاة العازبة فهي حالة تمثل زاوية مختفية في مجتمعنا. عندما تعرفت عليها وجدتني أدخل عالم العازبات الليبيات الدارسات بالخارج من أوسع أبوابه، عالم مخفي أكبر من تكهناتي كلها، فلم اسمع يوما بفتاة خرجت للدراسة بمفردها. بل إحداهن كنت اعرفها جيدا، إحدى خريجات كلية الطب البيطري، عندما تحصلت على قرار الإيفاد، أرتني إياه، ستلتحق بإحدى الجامعات الكندية للدراسة وقالت إن أخاها سيرافقها، هذه الفتاة قابلتها هنا في بريطانيا بعد أن غيرت الجامعة وبدون أي اخ أو أخت مرافقة ، الذي يحدث انه ترسل العائلة المحافظة سواء أن كان ذلك الحفاظ والتحفظ شكلا او مضمونا ابنتها للدراسة بالخارج يسافر إحدى الإخوة معها وفي الغالب لا، حتى ترتب أمورها ثم يعود ويظل هناك شبح الأخ المرافق لأخته أمام الناس، غطاء اجتماعي واهن لكنهم يلجئون إليه، السؤال بعد كل ذلك.
ماذا بعد؟ماذا بعد خروج فتاة مسلمة أنهت تعليمها الجامعي لتلتحق بالدراسة للتخصصات العليا :الماجستير أو الدكتوراه ولم تتزوج؟
لن نكون مجحفين، فالزواج كما في عرفنا قسمة ونصيب لكن العنوسة البغيضة شبح يطوف على رأس الفتاة وإن تحصلت على أعلى الشهادات ستظل (العانس المنبوذة) التي لا يأتمنها أحد أن تدخل بيته. وهذه (العانس المنبوذة) -عذرا للوصف لكنه واقع الحال- تأخذ موقفا هي الأخرى من مجتمعها الذي وسمها بهذه الصفة فتحضي بشهادة عليا من بعثتها القاسية هذه وتقع في ألف مطب من أمراض نفسية واجتماعية وهذه هي الحكاية:
سميرة وسمية، فتاتان ليبيتان في نيوكاسل بسمعة سيئة، الجميع (الليبيون وتحديدا الليبيات) يتجنبهن وهن لهن الأيادي العليا في هذه السمعة السيئة، وبالرغم إنهن متحجبات إلا إنهن غير محتشمات لباسا وسلوكاً يضعن مساحيق الزينة كما في الحفلات التنكرية، ولا يفوتن فرصة للتودد إلى أي رجل ليبي بغض النظر عن ماهيته.
فتاة أخرى، نادية أفضل حالا من هاتان الفتاتان انكفأت على ذاتها وتقوقعت تقول (ما نبيش حد يجيب عليا كلمة) لكنها في ذات الوقت تحولت لشخصية لا أريد إصدار الأحكام المجحفة عليها، لكن يمكنني القول شخصية مستغلة جدا وماكرة وغطاء (ما نبيش حد يجيب عليا كلمة) برعت في إتقانه، فهي قد تقوقعت وتحوصلت على ذاتها واقعة في مطب يُأسف عليها منه جدا، ففي ظاهرها اللطف والوداعة والفتاة البريئة يتيمة الأم التي حاربت جبهة المجتمع بكامله لتحظى بفرصة إكمال تعليمها، لكنها في الخفاء وفي الوجه الأخر من الحكاية، غذت روحها بكم من الكراهية لهذا المجتمع وتحديدا لبنات جنسها من الفتيات المتزوجات، فبالرغم من مقابلتها لهن بكل بشاشة ورحابة إلا إنها لاتطيقهن وتتمنى لهن أسوء ما يخطر ببال بشر، فهي لم تزر أبدا صديقتها وزميلة أيام الدراسة بالمرحلة الثانوية بالرغم من كونهما يعيشان في نفس الشارع تقول: (لا يمكنني رؤيتها مع زوج وأطفال ثلاث. وأنا لا أزال قابعة في بيت أبي الذي أرسلني لبريطانيا وسمة عار على جبيني)، غير أن الأمر ليس بهذه البساطة أيضا وأيضاً.
فتاة أخرى لم ألتقي بها، تدرس القران الكريم في الجامع متطوعة، تقول (نادية) عن الفتاة (الشيخة) أنها وإن تطوعت لتدريس القران الكريم فهي لا تعمل به وبدون أخلاق وهذا وجه ثالث لهذه الحكاية فغير المجتمع والفتيات الدارسات بالخارج هناك حكاية الفتيات مع بعضهن، فهن لا يفوتن فرصة أياً كانت في تمزيق سمعة الأخرى، واللواتي يجتمعن معاً لتجريح أي فتاة أخرى متزوجة.
فقد حدث وأن أسهبت إحداهن معي في الحديث بالانجليزية بدون أن يكون لها أدنى فكرة عن ماهية لغتي الانجليزية، وأحسبها اعتمدت في ذلك على عدم إتقان الليبيات للغة الانجليزية، شعرت أنها تحاول إظهار الفروق بيننا، عصبة المتعلمات الساعيات للحصول على الشهادات العليا ونحن فئة المتزوجات، تركتها تفرغ ما في جعبتها لأجيبها عما كانت تتحدث عنه باللغة العربية، (اللغة العربية ليست صالحة هذه الأيام على ما يبدو).
لا ننسى انهن يتقاضين منحة لا بأس بها، ولا ننسى أن مرتباتهن في ليبيا في أحسن الظروف لن تزيد عن المائتين دينار، فما تتوقعون نتائج العملة الصعبة (1300جنيه إسترليني شهريا)، إنهن يدخرن المال لإجراء عمليات التجميل؟!! وخاصة حقن البوتوكس والسليكون لإخفاء خطوط الزمن وطبعاً في الخفاء أما كيف علمت بذلك فهي الصدفة صديقتي.
الموضوع ذا بعد أعمق مما يظهر عليه، العائلات الليبية تقاطع العازبات، فهن الفالتات من السيطرة في بلاد أجنبية دون رقيب أو حسيب، وهن اتخذن ردة فعل مضادة، يكفي أن تتعرفي على إحداهن وتقولي أنك متزوجة حتى تبدأ: (خيرك لا باس بكري بكري الواحدة تكمل قرايتها أنا خذيت الماجستير وتوا نحضر في الدكتوراه وموضوع الراجل مازال مش مفكرة فيه).
انتقاله لحال الفتيات العربيات هنا في بريطانيا وتحديدا نيوكاسل، في عمومهن لسن أفضل حالا، صديقة سورية تحدثني عن صديقتها البحرينية التي ترى أنها أفلتت من سيطرة العائلة وخاصة الأخ لتفعل ما تريد، ذاتها صديقتي السورية (هي أفضل العازبات التي عرفتهن على الإطلاق) جاءت إلى المملكة المتحدة على حسابها الشخصي دون معونة أو إيفاد لتكمل دراستها العليا، أمها تعمل معلمة وتدخر كل ما يمكنها لترسله لابنتها التي ذاقت المرارات كلها منذ وصولها وارتطامها بواقع مادي عنيف، ابتداء من السكن المشترك مع عائلات تسمي نفسها مسلمة (باكستانية وأفريقية)، حتى البحث عن فرص العمل غير المتوفرة للأجانب بشكل لائق، فمن خادمة إلى عاملة نظافة، إلى نادلة بمطعم (حلال) لسيدة إيرانية، أرتها الذل كله ودفعت لها أزهد الأجور.
صديقتي السورية (الكريمة) برغم ضيق اليد إلا أنها أصرت على استضافتي (عزومة مطنطنة) في أفضل المطاعم اللبنانية في نيوكاسل، هي عرفتني على فتاة سورية أخرى تقول: (يا ارض اشتدي ما حدا قدي) الفتاة السورية الفائقة الجمال الموفدة للدراسة في الخارجة ال ال ال تعاني ذات العقدة، عقدة العنوسة والقسمة والنصيب وبالرغم الفارق الثقافي الكبير بين مجتمعين مثل المجتمع الليبي المحافظ جداً، والمجتمع السوري الأكثر تحررا، إلا أنها ذات الأمراض الاجتماعية وذات العلل.
رجاء لا ترسلوا بناتكم وأخواتكم العازبات للدراسة بالخارج. وإن حافظت البنت على شرفها و دينها إلا أن الأمور أعمق مما تبدو عليه، أي نعم سنكسب والمجتمع، سنكسب كلنا عضوة هيئة تدريس، باحثة أو عالمة، تحمل درجات تخصصية عليا، لكنها ستعود كشبح، كذئب جريح، يحقد على مجتمع لم ينصفه (اجتماعيا). حتى وإن مددنا اليد لهن، فالوقت تأخر، وقد حاولت من كل قلبي. إنهن في طريق اللا عودة.
لا ترسلوهن للخارج.
_________
* الأسماء الواردة بالإدراج، أسماء وهمية لشخوص حقيقية.