الاثنين، 2 سبتمبر، 2013

(ميعاد الأرانب البرلمانية)





تقول (خُرافة) جدتي القديمة أنه ذات يوم خرج الفيل على قرية الأرانب وهدم بيوتهم ورحل ثم عاد في اليوم التالي وهدم ما تبقى منها، ثُمّ عاد في اليوم الذي يليه وهدم ملاجئهم التي لجئوا اليها، و واظب الفيل على تنغيص حياة الأرانب وإيذائهم فقررت جماعة الأرانب وضع حد لهذا العدو الغاشم وعقدوا اجتماعاً طارئاً وظلوا يناقشون ويصيحون بحماس : نهجم على الفيل ونضربه ونقتله ونحفر له حفرة يقع فيها ونفقأ له عينه ونغرز فيه رمحاً، هكذا ظلوا يتجادلون ويحلمون طوال الليل وحين طلعت الشمس وبمجرد سماعهم  لرطم خطواته الثقيلة على الأرض حتى صاح الصائح منهم: "كبار (الشعاعيل) يا بنات الأرانب" و(الشعاعيل) هي جمع كلمة (شعال) وهي نبته صحراوية منتشرة في ليبيا تنمو وتنتشر بالقرب من الارض، والنداء هنا أي لُذن بأكبر نبتة (شعال) واختبئن فيها ظلت الأرانب على هذه الحال تجتمع كل ليلة وتحلُم وظل الفيل يهدم بيوتهم كل صباح فذهبت هذه القصة مثلاً فيقال: (ميعاد الأرانب). أما (الخراف) أي القصّ فله أصول وأحكام فهو ممنوع في النهار وقت العمل لأن (خراف النهار يجيب الفقر) فلا تقص جدتي حكاياتها الشهية للصبية المتقافزين الا في الليل وعادةً ما كانت تنادينا بعد صلاة المغرب (هيا تعالوا يا صغار بنخرفوا خرافة) أي سنحكي حكاية أما اليوم فالتلفزيون (يخرف في خرافاته) طوال الليل والنهار مع مئات القنوات الفضائية والــ(آي باد) والـ(آي فون) والــ(جالاكسي) والانترنت الاربع والعشرين ساعة والأهم (خراف الفيس بوك) لاينتهي ولا ينضب. وبناءاً على نظرية جدتي فـ(خُرافنا) هو سبب  فقرنا وبسببه نحن شعب (فقري).
كبرت ورأيتُ ميعاد الأرانب بأم عيني، فقد اجتمع ذات يوم (شيابين  وشيوخ) ليبيا الحكماء والغير حكماء وفي بعضهم شباب حتى لا نظلمهم، اجتمعوا فيما سُميى (بالمؤتمر الوطني العام) وهو مؤتمر منتخب من الشعب الليبي (الفقري) تحت رفرفة سعادة الليبيين وأنغام وإيقاعات (الزكرة) والزغاريد و(نوبة):" إلويه إلويه وما تخافيش عليه" ليقرروا مصير الشعب (الفقري) العظيم في جلسات تُعقد صباحاً ومساء تُنقل مباشرة عبر أثير كل المحطات المسموعة والمرئية، وأينما يممت وجهك وجدت المؤتمر يصدح (بشيابينه وشبابه)، في تلفزيونات محلات المواد الغذائية وعند الاشارة الضوئية من مذياع إحدى السيارات وقد أطلق السائق العنان لصوت المذياع حتى لا تضيع على المارة السائقين أو الراجلين بضع دقائق قد تفوتهم فيها جملة اسمية او فعلية لأحد شيوخنا الأفاضل. في سوق الخضار ستجد في ركن ما مذياع صغير يلتصق به البائع وهو يعرض أمامه الباذنجان والكوسى (والخير جاي يا ليبيين) "أيها الشعب الفقري العظيم" وحدث أن خرج علينا أحد (الشيابين ) البرلمانيين وصعد فوق الكرسي وربما الطاولة في خضم نقاش المؤتمر لشأن ما ورفع الآذان لصلاة ما لا أتذكرها وكنا حينها في شهر رمضان المكرم وكان من الأسهل أن يطلب هذا (الشايب البرلماني) الإذن برفع الجلسة من الرئاسة اتباعاً لبروتوكولات العمل السياسي المحترم بدل من قطعها بالأذان و لا أجد تفسيرا لهذا الا ان يكون هذا (الشايب البرلماني) كان قد أكل في وقت سابق، على السحور ربما (مكرونة مبكبكة حارة) مما أضطره لرفع الجلسة بطريقة اضطرارية عاجلة تضمن له خط سير سريع بين قاعة المؤتمر الفخمة وأقرب دورة مياه، وحدث أيضا أنه في جلسة كبرى منقولة على الهواء مباشرة صرخ أحد (الشيابين البرلمانيين) على فتاة متأنقة كانت تقرأ كلمة افتتاح في لباس مِهَني محترم :( غطي راسك يامرا) أو ربما  (غطي راسك يا وليه) وأخرجوا البُنية يا عيني ودموعها على الخدين، ومعهم الحق، في شهر الصيام تخرُجُ عليهم مذيعة متبرجة وهم في أرذل العمر فإن فسد صيام أحدهم لا سمح الله فماذا نعمل؟. غير أن هناك بُعداً آخر يُقال عنه أنه: "ما وراء الحدث" وهذا الماوراء سأحاول تحديده و وصفه فإن هذا (الشيباني البرلماني) أطال الله عمره كان متحمساً لقضايا الوطن وهمومه وهي في كثرتها وتفاقمها تكسر ظهر أعتى الملاكمين وحملة الأثقال فما بالك بشيخ يخطو حثيثاً نحو قبره ومن كثرة حماسه و وفورته قرر أن لا يترك كبيرة أو صغيرة تَمُر دون إصلاح من قضايا البطالة والمخدرات وانهيار البُنية التحتية الى (ولية مش مغطية راسها) والبُعد الماورائي الآخر أن (عمي الحاج) على عِلمٍ بأن ظهره محني وعُكازه قصير فما كان منه الا أن سجّل موقفه الفدائي من أجل ليبيا ضد (وليه مش مغطية راسها) لأن ذاك أو أولئك البرلمانيون اللذين (فنّصوا في الولية وبرموا شناباتهم وهزبوها وطلعوها من قاعة المؤتمر) شهدنا لهم مواقف مُخزية يفرّون فيها مذعورين هاربين يتدافعون للخروج من بوابة الطوارئ لما (هدّوا عليهم الصحاح ) اصحاب (الاربعتاش ونص والميم ط) من جرحى وقتلى وأمازيغ وزاوية ومصراته وزنتان وموق موق وعزل ومن جديد على طريقة أغنية الاعراس المنقرظة (إلويه إلويه وما تخافيش عليه). غير أن عندما قرر (ميعاد الأرانب) قرار رقم( 7 ) بالدخول الى مدينة (بني وليد) لتطهيرها من الأزلام خرج شبابها القاطنين في طرابلس للتظاهر سلميا أمام (المعتمر الوطني العام) فواجهتهم قوات لحماية المؤتمر قبل أن يصلوه بالسلاح وإطلاق النيران في حادثة لم تتكرر مع غيرهم من فئات الشعب اللذين كلما أرادوا قضاء الحاجة دخلوا بأسلحتهم الى فضاء (المؤتمر) على الهواء مباشرة و(عملوها)!. الكُفرة تغرق بالدماء وتستنجد والحدود الليبية الواسعة ترحب بكم من تجارة مخدرات واسلحة الى تهريب سلع ومواد تموينية وبنزين الى دخول عمالة غير شرعيه والسبب (لا يوجد جيش أو شرطة) كما صرح أحد (حكمائنا المعتمرين) غير أنه تحديداً حين جاء الموعد التاريخي في أول عيد أضحى بعد مئة عام ارتفعت الأصوات : (يا ثارات السويحلي) ومع احترامي لشرفاء وابطال مصراته فأنا هنا اتكلم عن الشراذم والموق موق. حين جاء الموعد التاريخي خرج علينا جيش جرار وعتاد  سيقبض  على (خميس القذافي والفقهي وحمزة التهامي) وتلةٌ من الاولين بمباركة من السلطة الدينية العليا في البلاد التي خلطت الدين بالسياسة بالاقتصاد بالعسكر بزواج الليبيات من غير الليبيين بقطر بالعلمانية بالليبرالية (ودارتهم لوسه) ومرة أخرى على طريقة أغنية الأعراس المنقرظة (إلويه إلويه وما تخافيش عليه) وحوصرت المدينة وقُطعت عنها المواد الغذائية والأدوية وحليب الأطفال. المدينة التي أعلنت مرة وراء مرة أن لا يوجد بها أزلام و وصلتها فرق التفتيش فرقة وراء فرقة وتماماً على وتيرة السيناريو (العراقي) وجدت نفسها في مواجهة الجيش البرلماني  الموجود والغير موجود ومن قاوم هذا الإعتداء من أهل المدينة أعتبر مارقاً وخارجاً عن القانون ودخل جيشنا المغوار (بني وليد) وعُلِّق بشكل استفزازي علم وصورة (السويحلي) في قلب المدينة على الأرض التي قُتِل فيها وأعلنوا: (ها قد عُدنا يا صلاح الدين) وألقوا القبض على (خميس القذافي والفقهي) أما (حمزة التهامي) فقد هرب وانطلقت الاحتفالات في طرابلس وأُضيئت سمائها بالألعاب النارية وصوت البارود يُدوي وزغاريد جيراننا البسطاء وبيان من أحد غُلمان (الشيابين البرلمانيين) بالقبض على (خميس أفندي) وبدى أن لا أحد سواي وزوجي لا يصدق هذه القصة حتى أن جارتي الجميلة الحكيمة الحنون الهادئة الطباع لم تصدقني ولأول مرة، كانت تقول : يا كريمة اهدأي، فقط لأن بني وليد بلدتك لا يستوعب عقلك الصغير خيانتهم (أهدي يا بنيتي). حتى أن صديقتي الكاتبة الإعلامية الفبرايريه المناضلة رئيسة المحطة الفضائية والتي من (بني وليد) لم تنم تلك الليلة وهي تتدفق حُبا للوطن ولدرع ليبيا على صفحتها على الفيس بوك الذي أنقذ( بني وليد) من براثن (خميس القذافي ) النجس، وسهرت طرابلس طوال الليل على أنغام المقطوعة الموسيقية المنقرظة (إلويه ألويه وما تخافيش عليه) فيأتي الصباح و لا وجود لخميس ولا جمعة غير أن حسابات المصالح والتوادد استدعت من البعض إرضاء (اللوبي الجهوي القبلي العنصري المنتن) مع احترامي لشرفاء وأحرار ومناضلي ليبيا ومع احترامي (لإبتسام) التي مثلت سلطة رابعة تداعت مع تداعيات الحدث ومع احترامي لقريبتي المُسنة التي حتى الأمس القريب لا تزال تؤكد أن (درع مصراته) قبضت على (خميس القذافي) وأنه مسجون في سجونها وقد أَرتها جارتها (المصراتية) صورته وهو مُعذّبٌ جريح في سجون الحرية وأنهم يخفونه عن جماعة حقوق البهائم قصدي الإنسان وأنهم (شايلينه لعوزة) ومن جديد (إلويه إلويه وما تخافيش عليه) و(بني وليد) هي المدينة الوحيدة التي (طلعت من المولد بلا حمص) فقد عاقبها القذافي بسبب معارضيه فيها وعاقباتها فبراير بسبب معارضيها فيها. ولايزال (ميعاد الأرانب البرلمانية) يُغازل أمانينا ويدغدغنا (ويشاوخ) عن عدالة انتقالية ومصالحة وطنية وقانون وشفافية ودولة مدنية وبُنية تحتيه في الليل وتدكه (عفسة رجل الفيل الميلشياوي) في الصباح فتضرب مؤسساته و وزاراته وتسيطر على مطاراته وتُقفل موانيه وحقول نفطه وتقصف سفارات الدول الأجنبية التي يستضيفها على أرضه  ولا يرف لها جفن فتغتال من (أكبر راس) سفير أميركا بشحمها ولحمها وحتى مواطن ليبي مناضل بسيط اسمه (عبد السلام المسماري) مات وترك لأهله 300 دينار في حسابه المصرفي ولعائلته الله فهل سيقدرون على دفع ثمن أُضحية العيد لهذا العام؟.
غيرأنّ ليس كل الميعاد أرانب بل هناك رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه  خرجوا في وجه الفيل الميليشياوي المستبد وقال من يعمل يتقاضى أجراً من لايريد العمل  يُستقيل من لايعمل ولا يستقيل يُطرد،  منتسبي اللجنة الأمنية العليا 151 ألف يتقاضون مرتبات عن عملهم فيها  حتى الأموات منهم اللذين تحت التراب، حتى أن أحدهم يتقاضي في 16 مرتب وهذا ما يُقال عنه (راجل بــ16 الراجل) والدليل أنه  شخص واحد  أقصد لص واحد (يصرف على روحه في 16 المرتب) ينضمون فُرادى الى الشرطة والجيش الوطني أما المؤهلين علميا من لجنتنا الارهابية(عفواً) إن أخطائي تتكرر فقد قصدت الأمنية  فقد فُتِحَ لهم الباب لتأهيلهم كضباط محترمين وتشكيل لجنة شرطة لمن يريد أن يشتكي من الشرطة و توزيع كاميرات مراقبة في البلاد وفرض تأشيرة على الوافدين لليبيا (ونعد ونغلط ولما نغلط نعد)، فعلا (راجل) يا (عاشور شوايل) وخسرناك فالفيل (الميليشاوي) مع أن  ذراعه الخرطومي واحد غير أن له ثماني أذرع أخطبوطيه فاسده تُعينه هنا وهناك فله ذراع في المؤتمر العام وله ذراع في المجتمع المدني وله ذراع في السلطة الدينية وله ذراع وساقٌ مع "الزكرة": (إلويه ألويه وما تخافيش عليه).
وحكاية عِشقٍ بين (شيابين المؤتمر الوطني  وبين الوليه اللي مش مغطية راسها) لا تنتهي، (وياريتها غير مش مغطياته  وزيادة مقرظاته  وفوقها وزيرة ). التي سجلت للتاريخ شهادة مريرة عن غول فساد ابتلع أموال لا حصر له متهمة  شركات وسفراء وملحقين صحيين في التورط فيها، إمرأة وأن غادرت الوزارة غير أنها قطعت عهدا بينها وبين الله أن تفضح كل من تاجر في دماء الأبرياء وأساء الى الوطن، تقول في مذكراتها الجريئة هذا بعضُ مختصر منها: "تلقيت وحرسي العديد من التهديدات بالقتل وذلك ممن تغلغلوا في صفوف الثوار، وجدت أن حراسة الوزارة كانت متآمرة على الوزارة وأن البريد الصادر كان دائما يضيع والبريد الوارد يتأخر، بل وتظهر المراسلات على (الفيس بوك) قبل أن تصل مكتبي بل ووجدت جهاز تنصت" لقد طلبت السيدة الوزيرة (فاطمة الحمروش) تغيير كتيبة الحراسه فقام رئيس اللجنة الأمنية العليا بتثبيتها؟!. وشُلَّت كل قراراتها تقريبا بسبب أعاقة الإجراءات الإدارية.(1).
يصدر قرار حكومي بمنح وزارة العدل مقرا هو (متحف ليبيا) بالرغم من اعتراض وزارة الثقافة، قرار لا أجد ورائه أي رسالة سوى أن العدل صار قديما ومنقرظا في بلادي حتى أننا سنحنطه في المتاحف.
عندما يجتمع شيوخنا الأكابر للعب بورق اللعب (الكارطة) سترى وتسمع العجائب، عندما (يعنقر الحاج طاقيته ويدير شكبة) سيصرح لنا أنه كان ذات (عشوية  يلعب في خربقة مع القذافي ويشربوا في شاهي اخضر بالنعناع وبعد  ما "نفوا النفة" قاله يا قذافي انت فاشل وحكومتك فاشلة فضحك القذافي لين طاح على قفاه ويجي بيطق 15 مع عمي الحاج اللي طارتله وناض  وقاله انت مش محترمني كان هذا ما تضحكش على كلامي وطلع من خيمة العزا. قصدي قيطون العز. قصدي المكان اللي كانوا يخربقوا فيه)
 وأن ناشطة إستنشاطية كانت في عهد القذافي تكتب التقارير عن زملائها المدونين وترسل لهم ايميلات التهديد اليوم (مش عاجبها شي وتلوي على زكرة الويه الويه وماتخافيش عليه" اهفتي خير ما نطلعلك ايميلاتك اللي كنتي تهددي فيا بيهم راني قاعدة داستهم ليك مفاجآة)
وليشهد التاريخ أن المؤتمر الوطني العام المنتخب لم تُطرد منه سوى إمرأة ولم يُمنع ليس من الدخول اليه بل ومن التظاهر سلميا أمام مقره ضد حربٍ ظالمة سوى شباب (بني وليد)
ويستمر الخراف البرلماني
وعاشت ليبيا حرة أبية ودامت (الزكرة رابخه)
(1) مقال الوزيرة موجود على صفحات الإنترنت


الأحد، 1 سبتمبر، 2013

"ليلة الهجوم على عائلتي" (شكراً اللجنة الإرهابية العليا)



ما فعلتِه يا ثورة فبراير بالمجتمع الليبي خطيرٌ جدا، لقد كشفت المسكوتُ عنه من عقلية ليبية لا تنفك تتشدق بالتدين وبالإسلام فأفرزت شريحة أثناء الثورة من بعض الموالين للقذافي، المهووسين والقتلة والمارقين اللذين ابتدعوا كل بشع لإرضاء آلة الدم المتوحشة والنهمة لأجساد الليبين وأعراضهم وأموالهم، ثم ومن بعد إنتصارك خرجت علينا ذات الشريحة  بذات الصفات من قتل وتعذيب وخطف واغتصاب غير أنها تقف على الجانب الآخر منتمية الى فبراير الثورة، هكذا ظهر أسوء من فينا حين وضعنا على المحك، ذات المحك الذي أخرج أجمل ما في الليبين من تلاحم أيام حرب التحرير والذي قاد مخاضاً طويلاً وعسيراً لولادةِ حريةٍ  تجرثمت عليها وتكاثرت تكوينات هجينة بعضها سياسي، وأخطرها العسكري فانتشرت على طول البلاد وعرضها تشكيلات لميليشيات مسلحة، بعضها يدعي التوجه الديني والاخر ذو توجهات عصبية جهوية وثالث لا يهمه إلا ما يحمله بين يديه من غنائم وسرقات مستغلين حالة الفوضى التي تعم البلاد وغياب الجيش والشرطة، وكان لي مع عائلتي نصيب من تجربة مع هؤلاء: ثلاث سيارات تتبع اللجنة الامنية العليا بدون لوحات تطوق بيتنا عند الثالثة والنصف صباحا وتهاجمنا عناصرها المدججة بالسلاح والمخمورين معلنين نية السرقة والقتل وهذا ما حدث معي:
"الهجوم"
لست ممن يستغرقون في نوم عميق، وأبسط خشخشة تشق سكون الليل توقظني، وفي هذه الليلة، السبت عند الثالثة والنصف الموافق 22/2/2013 تناهى لسمعي دوس أقدام في فناء البيت قريبا من الباب، استيقظت واعتدلت في  مكاني ظناً أن أخي عاد ومعه بعض الضيوف للمبيت وهذا يحدث كثيرا!، عندما راح الباب يُقرع كنت أحاول إيقاظ أختي الصغرى (18)عام لتفتح الباب فلست بأفضل أحوالي الصحية لأغادر فراشي بسرعة وأنا مثقلة بحملي في الشهر الثامن، ازداد الطرق بقوة وصوت ينادي من الخارج: (افتحوا..افتحوااااا)، فردت أختي الأخرى وهي أم لثلاث أطفال (أن من يطرقُ الباب؟ من أنت؟). في تلك الحظة استشعرت انه ليس بأخي غير أن ظني رجح أنه أحد الأقارب الذي قد يأتينا مسافراً ليجد مكاناً للراحة بعد رحلته من إحدى المدن الى طرابلس، هي ثواني ليس إلا لأدرك أن القارع  لص، لصٌ مخمور بدأ في الصراخ: "هاتوا مفاتيح السيارات اللي قدام الحوش ، طلعوا تريسكم، افتحوا الباب، احنا مداهمة من اللجنة الامنية العليا" والكثير من العربدة. حاولت أختي مجادلته: (كيف نفتح الباب انت سكران شوفلي حد فايق نتكلم معاه والا تعالي بكرة يا مداهمة..الخ)، عندما سألته عن اسمه أجابها (حسين). هرعت استفقد أخي إن كان ينام في حجرته حين اطلق المخمور الرصاص في الهواء فأرعبتني وتعثرت في ثوبي وسقطت على ركبتي وبطني واصبت فيهما. لم أجد أخي في فراشه، انه يبيت في الخارج والوالد والوالدة يبيتان خارجا ايضا في مناسبة اجتماعية ولا أحد سواي مع طفلي وأختاي ذات ال18 ربيعا والأخرى ام الأطفال الثلاثة وأخ آخر يبلغ الـ19 عاما، اجتمعنا تلك الليلة في بيت والدي.
جاء أخي ذو ال19 عاما متعثرا من فراشه يغالب النعاس ويظن ان الوقت عشيه، فقد كان صائما واختلط عليه الوقت  فيما كنت احاول إفهامه أن لا يتكلم بصوت مسموع لعل وعسى تنجح محاولات اختي ومفاوضاتها في إبعادهم، غير أن الموقف تطور بشكل سريع جدا عندما توالى إطلاق الرصاص في الهواء ثم وجهوا أسلحتهم نحو باب البيت محاولين اقتحامه وبدؤا في إطلاق النيران.
أخرج أخي بندقية روسية قديمة وملئها ذخيرة بمساعدة أختي الصغرى، أخذت بعض الاطفال الى الغرفة الداخلية التي كنا ننام فيها بينما قفزت أختي نحو غرفتها مع ابنها وابنتها والتي من سوء حظها كانت مقابلة لباب البيت لينصب عليها وابل الرصاص( الخارق حارق) الذي كان يخترق باب البيت الحديدي وباب غرفتها الخشبي ويصطدم بالحائط ويفزع الصغيران اللذان راحا يصرخان مذعوران.
هي دقائق حتى اشتعل المكان بالرصاص والشتائم والتهديد، عندما سحب أخي تأمين البندقية ليبدأ في الرد عليهم انتبه أحدهم وقال (حيييه صوت سحبة يا اولاد) وكان ردهم على ذاك الصوت جنونيا فأمطرونا بارود وأصيب أخي برصاصة في فخده. اتصلت بزوجي الذي كان يعمل خارج المدينة تلك الليلة وأرعبه ما سمع من أصوات القصف والضرب، بدوره اتصل مباشرة بالنجدة بـــ(1515) وطلب منهم الغوث معطيا إياهم العنوان ورقم هاتف أخي، وفعلا وصلت النجدة لكن بعد أكثر من 4 ساعات من وقت البلاغ وبعد أن أنتهى كل شئ، وجدوا أخي يجلس أمام فناء البيت وبيده بندقيته ورد عليهم حين سألوه : (احنا جانا بلاغ عن مداهمة هنا؟ وينها و وين ترخيص سلاحك؟!)،  فرد عليهم (انا بروحي ردع مش مستحقكم، صح النوم) وطردهم.
الهجوم بدأ الساعة 3:36 واستمر حتى الخامسة صباحا قاومهم أخي قدر المستطاع ورد على نيرانهم الكثيفة بعزيمة وبمساندة أختي الصغرى، أنظر اليه وأقول: سبحان الله لقد وضع الله فيه قوة 100 رجل، كان يرمي عليهم الرصاص من خلف الباب ثم يقفز الى نافذة الغرفة المجاورة ويعود للباب مرة أخرى واختي تسانده وإن كان هناك سلاح آخر لأبلت مثله وربما يزيد، هذه المناورات والقنص من عدة أماكن جعلتهم يظنون أن هناك أكثر من شخص مسلح داخل البيت وعتاد وذخيرة، وكونهم ثمالى كان تركيزهم على الباب فقط دون أي مناورات أخرى فقد أعماهم الله. بكاء أطفال اختي ونواح أمهم جعلهم يظنون أن هناك قتلى في الداخل، حاولت أختى الصغرى أن تستنجد بالجيران وراحت تصرخ من نافذة الغرفة الخلفية بعد أن اشرعتها غير مهتمة أن قنصوها برصاصهم،  ولا مجيب لاستغاثتها. خطر ببالي ماذا لو نتسلل من الباب الخلفي الذي لم ينتبهوا له. ماذا لو نركض حتى نصل إلى أحد جيراننا فإن اقتحموا البيت وجدوه خالياً، غير أن الحي الذي نسكنه عبارة عن بيوت في أراضي زراعية تفصلها عن بعضها مسافات واسعة وكانت فكرة غيرذات نفع بوجود الكثير من الأطفال وأنا يثقلني حملي في الشهر الثامن لا يمكنني الركض.
كلما ارتعد الباب يسألني صوت في داخلي: هل فُتح؟ هل اقتحموه وابتهال لله وحده، الرصاص يصدع في كل مكان، على الجدران والنوافذ وفي السماء، ومع اقتراب آذان الفجر وخروج المصلين للصلاة أمل في فرج من الله قريب، وغوث منه في فئة ظالمة ما انفكت تهددنا بالقتل والسرقة.
"ما بعد الهجوم"
شقشقة الضوء بدأت تكشف سترهم، الباب متماسك رغم مطر الرصاص والذخيرة التي أفرغت فيه صهرتا ضفتا الباب فالتحما وصمد الجسد الحديدي أمام نيرانهم، حدثت المعجزة حين لم يكسر قفل الباب بالرغم من محاولاتهم تفجيره فتجد الرصاص مغروس حوله مخطئا هدفه بفارق ملليمترات صغيرة، لم يكسروا القفل فلم يُفتح الباب بعد كل هذه الوحشية ركبوا في سياراتهم وغادروا. في تلك اللحظة كانت السيارات الثلاث في مرمي رصاص سلاح أخي الذي أوشك على قنصهم حين راحت أختي الصغرى تتوسل إليه بأن يتركهم يفرون فنحن لا نريد أن نقتل أحد، واستجاب لها.
أول الواصلين كان جارنا، الرجل الطيب في آخر ستينيات العمر، عندما تأكد من مغادرة السيارات المعتدية جاء زاحفا على وجهه يرتعد في ذلك البرد الشديد ويعتذر أنه لم يتمكن من مساعدتنا فليس بيده حيلة أمام ذلك العتاد أما غيره من باقي الجيران فقد أنكروا  أنهم سمعوا أي ضجة !. وصل أبي وأمي في حال انهيار تام وكانت أمي تتفقدنا الواحد تلو الآخر غير مصدقة أننا بخير، أخذ زوج أختي أخي للمستشفى لإسعافه من إصابته، ثم وصلت جارتنا زوجة الرجل الطيب وهي مفجوعة ولا أزال أتذكر ملامح وجهها وقد كانت في حالة صدمة. في فناء البيت وجدنا كلبنا الوفي يجر مؤخرته بألم وينطوي في ركن بعيد، لقد ضربوا ظهره بأخمص البندقية فكسروه حين بدأ بالنباح عليهم؟ وسيارتي مهشمة تماماً، بالرغم من طلوع النهار وتوافد الناس علينا الواحد تلو الآخر، إلا أن حالة من الريبة والترقب جعلت الجميع ينتبهون لأي حركة غريبة أو سيارة مجهولة تمر فلعلهم يعودون؟.
"تداعيات الحدث"
انتشر الخبر في المنطقة، اتجهنا الى مركز الشرطة  بعد إستشارة المحامي فنصح أن كل من وصل السن القانونية وكان بالبيت ساعة الهجوم يجب أن يفتح محضراً فهذه الجريمة خطيرة لا يسقطها الزمن. مركز شرطة عين زارة أقل ما يقال عنه أنه بائس، جدرانه رمادية موحشة، يخلو من أي أثاث والموجود به هو كراسي ومكاتب عتيقة ومحطمة، داخل حجرة التحقيق أكوام الورق مكدسة في كل مكان مثلما الغبار، انتظرت أكثر من ثلاث ساعات حتى حضر ضابط التحقيق الذي كان في مهمة خارج المركز، في البداية رفض فتح محضر لي عندما عرف أن أخي كان قد سبقني بالتبليغ متذرعا أنه لا يمكن فتح أكثر من محضر لذات القضية وحتى بعد ان قلت له أن هذه مشورة المحامي ظل مترددا، لكنني صممت على إكمال الاجراءات القانونية فوافق وأخذ أقوالي، ثم ماذا؟ سألته، أنا مصابة في ركبتي ولا أشعر أني بخير وسيارتي مهشمة، أجابني: لا شئ على الإطلاق، لا يمكننا فعل أي شئ أكثر من إثبات الواقعة.
في المساء، استيقظت على صوت جدل، قطع قيلولتي الطويلة بعد عناء يوم مرهق في مركز الشرطة، وفيما يبدو أن عودة الشباب المخمورين لمقرهم وتفاخرهم بما حدث وأنهم تركوا ورائهم قتلى انتشر في بين اعضاء الكتيبة التي ينتمون إليها، فتم التحفظ عليهم وجاء آمرها مهرولا لوالدي في إجتماع طارئ من غير موعد حضره بعض وجهاء المنطقة والأقارب اللذين تنادوا مسرعين وتداولت فيه البنود التاليه:
*) ندين ونستنكر العدوان الآثم الذي وقع عليكم من بعض عناصر كتيبتنا والذي تمنينا لو أرديتومهم قتلى.
*)بدورنا قمنا بمعاقبتهم وسجنهم ولن نتهاون معهم وسيتم إحالتهم الى الجهات المختصة لينالوا العقوبة العادلة
يا أخي المواطن:
عائلتك عائلتي وبناتك بناتي ومن وصل الى باب دارك معتدي لا عذر له ونحن بما أننا نعتذر لك ونأسف لما حدث....(انتبه فهذه المرة الأولى التي تعتذر فيها كتيبة لمواطنين) فنحن نود إنهاء الأمر ودياً وعفا الله عما سلف، وغير ذلك فنحن نريد تنبيهك الى:
"البلاد في حال فوضى فلا جيش ولا شرطة،  وهذه الكتيبة مصدر رزقنا ولا نريد أي شبهات حولها ولن نقبل أن يتم حلها كما أنه لا يمكننا أن نضمن الشباب أبدا في حال ما قررتم تصعيد الموقف، لا نضمن أن لا يعاودوا الهجوم عليكم، لا نضمن أن لا تثأر منكم عائلاتهم (وأنتم جيران؟!)، لا نضمن أنكم ستعيشون في سلام والدولة غير قادرة على حمايتكم".
حين سمع أخي هذا الكلام خرج عليهم شاهراً سلاحه وقال: " أنا حسين هذا امتى ما نلقاه بنقتله الى يوم الدين" وغادر. أما عني فقد دخلت إلى المستشفى وتدهورت صحتي كثيراً وكنت قد حاولت الاستئذان من أبي مرارا أن أكلم آمر الكتيبة وأرد عليه وإن من وراء ستار فرفض بشدة وبالرغم مِن أن مَن حضر الاجتماع هم أبي وأخي الأكبر وأزواج أخواتي إلا أن لا أحد منهم كان داخل البيت ساعة الهجوم حتى يوقف ذلك الشخص وهو يلوي عنق الحقيقة بين يديه متلاعباً بها.
الخاتمة:

تم إطلاق سراح المعتدين وهم يتجولون آمنين مطمئنين (أحدهم أب لأربعة أطفال) وعلينا التزام الصمت والتحلي بروح التسامح (فلا نملك غيره). يجب عدم تصعيد الموقف لأن لا وجود للدولة التي ينبغي أن تحمي مواطنيها حتى الآن...كتبت مقالي هذا وفي اعماقي يقين ان دولة الحق والقانون قادمة رغم أنف الأشرار وحتى ذاك الحين لي حق لا أسكت عنه.