11 يوليو, 2009

يا يحيى خذ الكتاب بقوة

هي دورة الحياة، الفطرة التي خلق الله عليها الكون

أجيال ترحل، وأجيال تأتي
أسماه أباه "يحيى" ليكون رجلاً مؤمناً، تقياً، وقوياً
أما أنا (نجبر عليه: هذا وليد الغربة)
فلذة الكبد وحكايةٌ ملئ الحياة
طفلٌ رضيع يحتاجني وأحتاجه
طفلي:
يحيى رامز النويصري
فجر الجمعة
3-7-2009
نيوكاسل
RVI Hospital

25 يونيو, 2009

لن تستطيع معي صبراً

بسم الله الرحمن الرحيم

َقالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً{67}
سورة الكهف.

كلما ضاق بي الحال وغصت المرارة حلقي، أجد هذه الآية بعبرتها ماثلة أمام عيني (قال إنك لن تستطيع معي صبرا)، وأعرف أن هنالك ما يكمن وراء الغيب، في علم الله، لا ندركه لكينونة آدميتنا أو لعجز بصيرتنا، وربما لاستعجالنا في تفسير الأحداث ومجرياتها، وأعرف أنني لا أستطيع صبراً، رغم مجالدتي أظل أمسك جمر عقلي القاصر، أحاول أن أدفع بنفسي إلى الأمام، أن أتجاوز وجعي وألتف عليه، ولا أزال مشتتة وممزقة، ألتجئ إلى المدونة، أريد إكمال بعض المواضيع الناقصة، وإدراج المواضيع الجاهزة سيراً على خطة تدوينية تقديرية أحاول اتباعها فتنازعني نفسي للكتابة عن جدتي، أقلب الصفحة وما أن أوشك على التقاط فكرة أبدأ منها، حتى تنهال الذكريات سيلا تمنعني إلا من البكاء والبكاء. لست المرأة الضعيفة ولا المستسلمة، لكنني أيضاً لست تلك المتجردة الصارمة، يملؤني الحنين إليها وأعرف إنني لن أجدها تنتظرني. غرني الأمل الغرور و(لن تستطيع معي صبرا)، ولعل هذا أسوء ما في الغربة وفراق الوطن، المسافة القصية التي تغيبك رغما عن وجود (كذبة كبرى هي وسائل الاتصال والمواصلات المتطورة) ستظل معزولاً، تحت رحمة من يحمل الخبر، يعلمك أو يقصيك، تبعد المشقة ولا خيار.
وهنا الشيء بالشيء يذكر، هذه بعض أخبارنا في هذه البلاد البعيدة، بعض أوجاع الغربة، هناك من اكتوى بألمها، وهناك من لا يدري، فإلى اللذين لا يدرون ويرون جانباً واحداً من عبارة (قاعد عايش برا.. وإلا طالع بعثة.. وإلا هج وما عادش يبي يروح)، هذا لعمري أصعب ما في الاغتراب.
عند وصولي نيوكاسل، كانت هناك حكاية مريرة تحكيها النسوة الليبيات، حكاية لا أعرف بما أصفها، أترك الحكم لكم.
سيدة انتقل والدها لرحمة الله تعالى، بلغ الأهل الزوج الذي أخفى الخبر عنها في ظل اعتراض شديد من جيرانه (الليبيين) اللذين طرح الأمر عليهم للمشورة -ولم يأخذ بها-، الأزواج (الجيران) أخبروا زوجاتهم والكل يعلم، عدا الابنة التي ثكلت في والدها، يدور من حولها الصمت الرهيب وترقب الجميع مما تخبئه لها المفاجأة.
لكن لماذا خبّأ الزوج حادثة الوفاة؟!
ليس خوفا على مشاعرها، ولا رهبة من هول حدث كهذا يتم نقله تحت وطأه مرارات الغربة، لكن لأن: (المنحة قريب اتم، ومازال عليها شهرين بس وبدل ما نخبرها توا وتكلفني تذاكر ليها وللصغار خليني أراجي واصلا هي شن بترده)، ولعل هذه الـ(شن بترده/شن بيرده) أكثر العبارات تكرار، وحاشى لله الاعتراض على حكمه، لكني أجدها عبارة مقيتة، يوظفها البعض لمصالحهم، أو لتبرير ما يفعلون، فهنا البلاد بعيدة والتذاكر غالية، وكما حدث مع (السيدة الليبية) يزج الأمر برمته تحت خانة (شن بترده)، وماذا بعد؟
التهم الصمت لسان الجميع، والسيدة الليبية غافلة، ومن عادة الليبيات هنا في نيوكاسل (على ما رأيت) أنه حين يحين موعد الرجوع إلى الوطن، يحتفلن بأنفسهن وأبنائهن، فكأنه العيد أو هو ذاته، الثياب الجديدة والحلي، يتجهن إلى مصففات الشعر (المزينات: الصبغة وحتى الميش والعناية بالبشرة والحنة، نعم الحنة باللصقة منقوشة وكحلة). وللحنة هنا شأن عظيم فهن يوصين عليها من ليبيا، ويحتفظن بها ويقتسمنها، ولا تعود إحداهن من بريطانيا إلى ليبيا إلا (بحنتها)، وهكذا فعلت السيدة الليبية –صاحبة القصة-، وجارتها تعترض: ليش الحنة مافيش داعي ليها.
- ولما لا داعي لها؟!
عادت السيدة الليبية إلى أرض الوطن، واتجه زوجها مباشرة إلى بيت أهله اللذين يقطنون مدينة قريبة من طرابلس، لزيارة استمرت 5 أيام التقوا فيها الأحباب، وتلقى سيادته التبريكات والتهاني لحصوله على شهادة الدكتوراه، وبعد أن انفض مجلسه، اتجه بزوجته إلى طرابلس لتلتقي بأهلها اللذين كانوا في حال يعلم بها الله.
- وين بوي؟؟
(صح النوم بوك ليه شهرين متوفي)
تقول جارتي، إن الصدمة أسكتت السيدة الليبية، التي نقلت للمستشفى على إثرها، وإنها لم تعاود النطق حتى تاريخ اليوم التي سمعت فيه قصتها، جارتي وهي صديقتها القريبة تداوم على الاتصال بأهل الصديقة علها تجد خبرا جديدا. أي زوج هذا؟!، وأي محنة تلك؟
وفي حكاية أخرى لسيدة –ليبية- توفى والدها الصيف الماضي. حكاية ليست نقلاً عن أحد، بل شهدتها بنفسي فقد كانت جارتي، شاء الله أن يتوفى والدها فجأة وبدون مصارعة للألم أو المرض -سكتة قلبية- و(الله يرحمه) وبلغ الأهل الزوج، الذي أبلغ جيرانه الليبيين هو الآخر طلباً للمشورة والنصح والعون، واتفقوا على الآتي: اليوم الأول أخبرها أن والدها قد مرض فجأة وأنه تم نقله إلى المستشفى، اليوم الثاني حالته تدهورت وتم وضعه في (العناية) واحتشد بيتها بالجارات الليبيات يحاولن مواساتها والشد من أزرها (إن شاء الله ينوض بالسلامة). اليوم الثالث أخبرها أنهم أخذوه لتونس صباحاً، وكانت تهاتف أهلها (أخاها) وتطلب أن تكلم والدها فيجيبها تعبان لا يستطيع الكلام.. مساءاً أبلغها انه انتقل إلى رحمة الله، وكان قد جهز لعائلته تذاكر الطائرة وعاد بصحبتهم إلى ليبيا اليوم التالي لحضور باقي مراسم العزاء.
يجدر بالذكر، أنهم هم أيضا بعثتهم الدراسية كانت تشارف على الانتهاء، غادر الزوج بزوجته نيوكاسل وسط هالة من التقدير والاحترام يكنها له كل الليبيين هنا.
وغير ذلك، حكايات كثيرة تُحزم مع حقائب المسافرين العابرين المطارات، فهذه سيدة ليبية أخرى تلقت خبر والدتها التي تحتضر، فعادت من كندا بسرعة الريح التي تجاوزت السبع ساعات، ومن مطار إلى آخر، وقت أليم يمر ببطء، إلا إنها تمكنت من اللحاق بأمها في رمقها الأخير، لتنتقل إلى جوار مولاها بعد ساعتين فقط -من وصولها-.
سيد ليبي تلقى خبر وفاة والده -وهو طالب دكتوراه في لندن-، ولأنه طالب ووقته ثمين و(اللي مات الله يرحمه وما عندي ليش مروح.. شن بنرده!!)، استقبل العزاء ليومين، أنهى المراسم بعدها وعاد لأشغاله. لله العلم لكل إنسان ظروفه؟.
لكن ماذا حدث معي وأنا أسرد حكاية هذا وقصة ذاك، ما حدث معي ليس مختلف كثيراً، وقد اقدر على لملمة ذاتي يوماً وأكتب عن جدتي المرأة البسيطة وعلاقتي بها. أما الآن فسأكتب فقط عن علاقتي بوفاتها، وأظل أقول إنهُ أقبح ما في الغربة.
لا يمكنني الخوض في تفاصيل عائلية دقيقة ومسائل حياتي الخاصة، لكن الأمر على علاته يؤخذ هكذا. كنت طوال حياتي أو حياتها ملتصقةً بها، وما غبت يوماً عنها، عشت معها في بيتها أغلب سنوات عمري، وتكاد كلها، ولم نفترق إلا على شرف (البعثة الدراسية لبريطانيا).
كنت تزوجت لكن ظللنا معاً، وزجي تفهم الأمر كثيراً، فقبل زواجنا كان من أهم ما اتفقنا عليه: (وين ما أنا وين ما جداي.. ما نخليهاش وما نقعدش بلاها.. وهذا شرطي وإلا ربي يسمعنا على بعض الخير)، وبالحرف الواحد رد على طلبي: (جداك جداي.. واللي يعز عليك يعز عليا). وكان عند كلمته، حتى رن جرس الهاتف ذات صباحٍ باكرٍ، كنا لا نزال نتناول إفطارنا عند الثامنة، وبدون مقدمات فجأة رشحت الشركة زوجي "رامز النويصري" لدورة تخصصية إلى بريطانيا، للحصول على الشهادة الأوربية في صيانة الطيران، ومع سعادتي لحصول زوجي على هكذا فرصة هو يستحقها ولم يكن قد لهث ورائها، أو دق باب أحد، ولم يتسوّل عند عتبات المكاتب (يا سويدي تربح)، كان نصيبا بعثه الله له، على قدر سعادتي على قدر جزعي (باهي وجداي أنا ما نقدرش نخليها ونسافر سنتين).
ومع عرض وتمحيص لكل الحلول، لم يكن من بد، فزوجي عرض أن يعتذر عن البعثة، فهو قد التزم معي أولاً بجدتي وعلى حساب أي شيء، لكنني وجدته إجحافا في حقه (وكان صاحبك عسل ما تلحساش كله)، مهما يكون البعثة مستقبله، واتفقنا أن يسافر، وسأمهد لها الأمر ومن بعد ألحق به.
في البداية أخبرتها إنه سافر لمدة شهر في دورة دراسية قصيرة، التي أصبحت شهرين وثلاثة فكان لابد من السفر إليه، كنت أماطل الجميع، أماطل جدتي، ألف وأدور تمهيدا لمغادرتها لما يقارب العامين، أماطل زوجي وأصبره (الشهر الجاي نجيك، الشهر اللي بعده)، أماطل أهل زوجي اللذين ضاق بهم الذرع (تقول مش مكننين ولا درنا كنه.. مخليتيه بروحه)، أبي يقول (ما تخليش زوجك في الغربة بروحه زوجك ولد حلال)، أمي كرهتني (إنت من لايم عليك جداك هذي عندها ولد.. واحنا ما نخلوهاش اردوا بالنا منها.. الحقي زوجك خير ما تلقيها خاربة)، وهي فعلاً (خاربة)، كان قعدت يا ويلي زوجي.. وكان سافرت يا ويلي جداي.
وسافرت بعد خمسة شهور، كان من أصعب القرارات، سافرت وأنا أمني نفسي سأعود بعد شهر أو شهرين، ودعتها (سلمت عليها وطلبت منها السماح، قالت: الله يسمح بنيتي.. أنا راني ما نقدر نقعد بلاك).
وسافرت إلى بريطانيا العظمى، وأنا (ضاحكة على روحي شهر شهرين بالكثير ثلاثة ونروح، مش قتلكم: اكذب على رجلك تمشيك.. آهي أنا، وصلتني لبريطانيا بالكذب عليها).
كانت جارتي، د. ثريا -الله يمسيها بالخير- تقولي: (سافري يا كريمة والحقي زوجك، راهي بلاد تظلم الساعة 3 الظهر)، لكني لم استوعب نصيحتها حتى هللت على بريطانيا العظمى، ظلماتها فوق ظلمات، الحياة هنا مقيتة بما تعنيه الكلمة، البرد والثلج والظلام، لا وجود لشيء يدعى شمس (صدق القذافي حين قال: راهم مستعدين يحتلوكم علشان الشمس).
حال وصولي سمعت بسيدة ليبية اصطحبت أمها معها، فليس لها غيرها من معيل، وتحصلتُ على عنوانها واتصلت بها، دعتني إلى بيتها، كنت أفكر في إحضار جدتي هنا إلى نيوكاسل، لكنني كنت مترددة قليلا فليست التأشيرة بالأمر السهل، وكما ظننت كانت تأشيرة الأم ضرب من المستحيل لو لا مشيئة الله، و زوج هذه السيدة الليبية رجل محترم جدا، فهي الأخرى اتفقت معه (ما عنديش في الدنيا غير أمي، ربتني يتيمة وهي تربت يتيمة وما نسيبهاش). الزوج الذي تعهد لزوجته بأن (أمك أمي) كان عند كلمته، وإن لم تتحصل (الأم/النسيبة) على تأشيرة لكان اعتذر عن الدورة، وسبحان الله، كن مع الله يكن الله معك ،(لما الإنسان يصفي النية قداش ربي عنده من خير)، وآخر المطاف لا مجال للمقارنة بين أم صديقتي وجدتي، فأمها ليست طاعنة في السن، وتملؤها العافية والنشاط، أما جدتي فسترهقها عذاباً رحلة من ليبيا إلى بريطانيا، غير البرد الزمهرير الذي لن تطيقه.
لن أطيل السرد. جانب آخر هم الأهل، هم فعلا حالة مثالية للمواربة في كل أنحاء العالم، فصديقتي السورية آخر من يعلم، هذا إذا علمت، والأغرب، تعرفت على سيدة اسكتلندية متزوجة من رجل إنجليزي، قالت: إن أهلها لا يخبرونها بشيء أبداً حتى تزورهم، وفي آخر زيارة وجدت والدها في المستشفى وساق أخيها مكسورة.. هل نلوم أهلنا؟.
عن نفسي، أفعل وأجد لهم العذر في ذات الوقت، ولا أقبله، يخافون علينا أو يخافون من نقل الأخبار السيئة أو (باهي شن بدير لو كان قلنالك، باهي ليش نشغلوا فيك ونخلوك تخمم)، وهذا كلام صحيح وقاسٍ.
أعود، لن تستطيع معي صبرا، أتخيل مشهد ذبح الغلام في الآية واعتراض سيدنا موسى عليه السلام: (...أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً{74} سورة الكهف)، أتخيل أم الصبي، أي جزع تكون فيه عندما تجد ابنها مسفوك الدماء، لكنها الحكمة الإلهية (لن تستطيع عليها صبرا)، سيرهقها ووالده بكفره يوماً، فذُبح عسى الله أن يعطيهم خلفاً أفضل منه على دين وخلق، يبني الجدار (باهي ليش؟ لقمة ما بوش يعطوهم ولا جرعة ميه، يبنيلهم حيطهم الطايح ليش؟، الله لا تردهم) ويكون الحائط لميراث يتامى؟، ولا تقف السيرة عند خروج سيدنا موسى عليه السلام مستسلما معترفا بعجزه، هذا فراق بيني وبينك، وإن لم تخبرنا السورة المزيد من القصص والعبر، وهذا لا يعني إنها انتهت، لربما كان هنالك الأغرب ولا يزال، من يدرك مجاهل الغيب غير العليم به.
وأجد نفسي أدور حول ذات المركز، أي حكمة يقصر عقلي الوصول إليها، كم كنت لصيقة بجدتي، أحفظها عن ظهر قلب، أعرف موعد نومها واستيقاظها، ماذا تأكل وما لا يعجبها، تفاصيل دقيقة يعجز عنها الآخرون بما فيهم أبي وأخوتي. جدتي تحب الخبز (الفرادي المدورات)، لازم نجيبه الساعة عشرة الصبح من (دكان مالك بالتحديد)، وبالرغم إن الأخ "مالك" يجيب في الخبز أحيانا أبكر وأحيانا يتأخر، لكن جداي تبيني نمشي الساعة عشرة وإذا لقيتها وجبتها كويس، وإذا ما لقياتش نولي، ليش الساعة عشرة، حاجة في عقلها، لازم تكون رطيبة ومن قعر الصندوق، ما تجيبيش اللي شادة الهبو والوسخ. الحليب، الغذاء الأساسي، الفطور خبزة وحليّبة، والعشاء حتى هو(نخلت فيه بشوي عصير ما نحبه ساهي)، حليب جهينة واخذ الامتياز عندها، ومشكلة كان بعثت حد وجابلها نوع تاني، وفي الأصل ما يركزوش ويسحابوه سوا، لكن عندها ما يتساواش، وما حد فاهم طبعها غيري: أنا قتلكم كرييمة هي اللي تجيبلي اللي نبيه انتم ما تعرفوا تسوقوا كيفها.
الخضرا مش مشكلة، لكن من يقدر يزبط شن تبي، الباذنجان في القائمة السوداء، والفلفل الحلو (شن لله بيه)، كان بتخضر جيب السفناري والفول الأخضر، والبصل الأخضر والثوم.
أوصتني وأحفظ وصيتها: لما تحين المنية، مية زمزم في الدولاب، مدسوسة في مكان نعرفه، (الخلوط من مسك وغيره) في قجر الشكماجة، والكفن بحداه، وتسألني كيف يغسلوا الميت، وكيف يكفنوه، وين تحين المنية ردي بالك، في غسالات يلبزن...نعرف كل شي وحفظت كل شيء.
كنت نخاف لما نحسها مسكتة، نص الليل انوض من نومي ونمشي لدارها، أول شي من ورا الباب كان سمعتها (تنخط) نحمد ربي ونعرفها قاعدة حية، وندف الباب بالشوية بيش نشوفها تتنفس، في الصبح تنوض قبلي تصلي في الفجر، نسمع باب الدار لما ينفتح وتطلع وتخش الحمام و تتوضا، ونسمعها لما تدعي في عقب كل صلاة صبح: يارب لقني الشهادة يوم الدين وجواب الملكين (كورب وبن كورب) لا اله إلا أنت، وحدن لا شريكن ليك، ومحمد النبي والقران الكتاب، والكعبة القبلة.. يا رب احفظ (فروجة=فرج) وليدي واجعل يومي قبل يومه ولا تفجعني فيه، احفظه من حوادث السيارات ونايبات الزمان، ولا ادول عليه رجالنا رجال، ابعد عنه اولاد الحرام وكالين رزاق الايتام.
هذا دعاء جدتي منذ عرفتها وبدأت أعي ما حولي، وتلك وصيتها وأمانة أوكلتها لي لم استطع أن أؤديها، ولا أزال أبحث عما لا أطيق عليه صبرا، لكأني فطمت فطاماً من جدتي، وجررت جراً، تركتها حتى أعود ولم أفعل حتى رحلت، أهلي في كل مكالمة هاتفية: (جداك ما شاء الله عليها أحسن مما خليتيها). ومن النادر ما أتمكن من محادثتها، فهم دائما يتذرعون بأنها نائمة ونائمة ونائمة.
لم أصدقهم، ولم يكن لي خيار غير أن أقلل مكالماتي الهاتفية لهم، أخبروني أنها كانت تسأل عني وتناديني، فيجيبونها (جاية في الطريق قريب توصل) وبالرغم ان زوجي حجز لي تذكرة ذهاب لزيارة ليبيا الا ان اهلي اقاموا القيامة (ليش جاية ما عندك عليش جاية خليك مع زوجك احنا ما فينا شي وجداك حالها باهي) وإضافة الى وعكة صحية مررت بها، تساهلت والغينا الحجز، فقد وعدوني (نحطولك جداك قدام كاميرة النت تهدرزي عليها وتشبحيها لين تشبعي) ولم يفعلوا.
أظل أبحث عن ضالتي لما لا أطق عليه صبراً، أجد عذر في ذلك، لعله من تدابير الله هذا الفراق، فلن أذيع سرا لو قلت انه في يومٍ ما كانت علاقة جدتي بأمي علاقة متوترة (العزوز والكنة)، وجدتي ظلمت أمي كثيراً، لعل أبعادي عن جدتي سمح لهما بالالتقاء من جديد، لتسامح أمي جدتي وهذا يعزيني كثيراً، لعلها أيضاً تعبت من انتظاري، (اني جاية، غير الإجراءات الصعبة وبلاد ما هيش ساهلة، وهي ما عادش عندها وقت، استنتني، استنتني ولما طولت ما جيتش، مشت) وأنا أيضا غرني الأمل، والأمل غرور (نقول اهي استنتني، وليا عام غايبة وتراجي فيا، وليا عام ونص وتراجي فيا، وخلاص انا بنروح شهرين تانيات أكيدة تستاني وتراجيني، لكن أمنياتي كلها قعدت حسرة في قلبي) وما يدريني؟، يتعبني التحليل والتفكير، وأريد إنهاء الدوامة فليس إلا فراق بيني وبينها، ولا أصل لتأويل ما لا أستطيع عليه صبراً.
لعله يكون كما قالت جارتي د.ثريا التي فقدت أمها وأخيها منذ فترة قصيرة: ما تخافيش يا كريمة وما تبكيش، بنتلاقوا بيهم إن شاء الله، وما يكونش بعيد.
ليرحمك الله يا جدتي وليغفر لك ولي، علنا نلتقي قريبا من جديد.
____________لا تنسوها من دعائكم ____________

29 مايو, 2009

حكم الله نافذ

حكم الله نافذ
إن صبرتم أجرتم وحكم الله نافذ وإن ما صبرتم كفرتم وحكم الله نافذ
كل ما فقدنا عزيز او قريب تقوللنا الحكمة هذه برصانة، مؤمنة بيها تعلم فينا الدرس، علمتني إن ما صبرت كفرت وحكم الله نافذ.
أمس 28/5/2009 انحطيت في الامتحان وفقدتها، الله يرحمك يا جداي، أكثر من عام ما شفتهاش وإن كان صبرت أُجرت وان ما
صبرت كفرت وحكم الله....نافذ

20 مايو, 2009

بين إليزابيث وذهيبة(والفرق.. إن ذهيبة بنتكم يا ليبيين)

السنة الماضية خرجت قضية قلبت الرأي العام رأس على عقب هنا في بريطانيا، و كل دول أوروبا، وقلبت رأسي قسوتها ومرارة وحشيتها، ولا أعرف أي انعكاس لها خلال وسائل الإعلام العربية، لأنه بسبب حاجتنا لتطوير لغتنا الانجليزية قررنا إزالة جهاز(الستلايت) من البيت، وتركنا المجال للإذاعات الانجليزية فقط تمرح على شاشة التلفزيون.
باختصار قضية الفتاة النمساوية إليزابيث التي احتجزها والدها في قبو أسفل البيت منذ كانت في الثامنة عشر، ولمدة 24 عاماً أنجب من خلال علاقته بابنته، 6 أطفال، والفتاة لم ترى النور خلال كل تلك السنين.
لا أريد الخوض في قضية هذه الفتاة إلا عموما فقد أعيد إحيائها، الأسابيع الماضية بعد أن بدأ القضاء النمساوي النظر في القضية وإصدار الحكم، وأنا تابعتها بكل تفاصيلها، تابعتها في مختلف الصحف المتاحة لي، وفي نشرات الأخبار، وعلى شبكة الانترنت، وليس ذلك من باب المصادفة؟.
ربما لأنني كنت أعرف حالة مشابهة لهذه الـ إليزابيث ، غير أنها ليست نمساوية، بل ليبية مسلمة وتدعى (ذهيبة). تلتقي قضيتا الفتاتان في خطوط وتختلف في أخرى، فذهيبة راحت ضحية إثم وجرم والدها، إلا أنها لم تظل سجينة لقبو أو سرداب، بل خرجت للشارع.
غالباً ما تخطر ببالي هذه الفتاة، وكل مرة تطلقها ذاكرتي لي، تتيبس عروقي ويضيق صدري، أشبه باندفاع جرعة سم زعاف في جسمي، ليس نافثاً من أنياب أفعى بل من أفعال البشر.
لا أزال أذكرها من حين لحين، تلقيها الحوادث في وجهي، بين أزقة وشوارع طرابلس ترش أسرارها بين أحياء نيوكاسل ومدن النمسا، يتشابه البشر في كل شيئ حتى في آثامهم مقتسمين ذات السحنة، أجد لها نسخاً كثيرة تحمل ذات الدلالة، ضحايا مَن هؤلاء؟
وللذكرى بداية تعود لسنين، وعشية طرابلسية جميلة و(شاهي بالنعناع ومكسرات)، وأنا وصديقتي كنا نحضر لامتحان معقد، وأذنت لنا أمها براحة لنصف ساعة نروح فيها عن أنفسنا قليلا، حينما رن جرس الباب ودخلت الجارة التونسية، وهي مطلقة رجل ليبي أنجبت منه بنتان وولد، ممتلئة الجسم، رثة الثياب، يخلو فمها تقريبا من الأسنان، تعقد منديلا صغيراً(تستمال أو محرمة) تحت ذقنها، يظهر أغلب شعر ناصية الرأس المجعد، والمحتاج إلى تصفيف. استقبلتها أم صديقتي بترحيب حار وردت عليها ضيفتها تحيتها بصوت عال وأكثر حرارة. تلحق بالسيدة التونسية فتاة عرفت أنها في الخامسة عشر من العمر، أخذت من ملامح الأم الكثير، غير أنها في كامل الأناقة ونظافة الهندام، جمعت كل الخجل من العالم وانزوت في ركن بجانب الباب الرئيسي، تكاد تبتلع نصف يدها توتراً وارتباكاً، محمرة الوجنتين من ترحيب أم صديقتي بها، وقد أرادت العودة إلى بيتهم رافضة الدخول لغرفة الضيوف، لكن أم صديقتي حلفت بأغلظ الأيمان أنها لن تغادر فــ(طاسة الشاهي ساخنة تركرك)، لتوشوش الفتاة عن سبب إحراجها سراً لام صديقتي التي لم تحفظه ثانية، وضحكت بصوت عال:
- غمضي يا كريمة عيونك انت رانك اللي مش مخلية البنية تخش.
(أنا، مش مخليتها تخش!!!)، أنا أجلس في حالي، ولا اعرفها ولا أمها، فكيف امنعها من الدخول ، جالت الفكرة في ذهني إلا أن أم صديقتي قطعتها بضحكة مجلجلة:
- خشي يا حنة خشي، البنية شخشيرها مشرك ومتحشمة منك يا كريمة، قالت ما تعرفنيش وأول مرة تشوفني تشبح شخشيري مزق.
(وكرتها أم صديقتي كراً) إلى الغرفة.. وقد دارت عيناي في راسي أبحث عن الجورب الممزق في قدمي الفتاة فلا أجده، هو فقط جورب أبيض عادي(نظيف) يوجد به ثقب عند (الصبع الكبير)، وأردفت معلقة:
- وينه اللمزق، هذا مزق، تعالي شوفي شخاشيرنا.
وكانت (طاسة شاهي منعنعة بالحق) حتى سألت أم صديقتي جارتها عن حال ابنتها ذهيبة، وردت الأم بإسهاب:
- ليا أيام ما ريتهاش وشريتلي موبايل (وكان الموبايل غالي جدا وقتها) قالتلي نكلمك عليه ولليوم ماتصلتش. جتني الأسبوع اللي فات باتت عندي لكن.. نص الليل كلكسولها صحابها طلعت من فراشها واحنا راقدين، قتلها هذا غير بتباتي عندي وخلتني ومشت.
وكأنني لم اصدق ما سمعت، فلأول مرة في حياتي يحدث معي مثل هكذا موقف، أم تتحدث دون وجل عن ابنتها التي خرجت منتصف الليل مع(صحابها)، في حين بدأت أم صديقتي بالدعاء الصالح للفتاه بأن يهديها الله، فقد تتوب يوماً، وتعود إلي بيتها وأمها وستجد ابن حلال وتتزوج.. فقاطعتها الجارة بلهجة تونسية قاسية:
- ذهيبة خلاص إنا قاطعة الرجاء منها.. غير تجيني مرة مرة ونشوفها حية ساد فيا، المهم عندي البنية الصغيرة هذي اللي انا خايفة عليها، لكن ذهيبة هذا مكتوبها وهذا اللي ربي كتبه عليها.. هذي بنتكم يا ليبين وهذا اللي درتوه فيها.
ومع أنني كنت (الأطرش في الزفة) مصعوقة ومصدومة من هول ما أسمع، فلم اعتد هكذا تصريحات من أمهات حتى عن أبناء منحرفين عرفوا بالفساد .. غمزتني صديقتي، وفهمت قصدها(سأشرح لك لاحقاً).
وغادرت الأم وابنتها الخجولة بعد دقائق، فورائها واجبات منزلية متراكمة نتيجة خروجها منذ الصباح الباكر للعمل حتى تعيل ابنتها، وقفزت صديقتي نحوي لحظة خروج السيدة من الباب تلحقها أمها وبدأتا متطوعتان في سرد حكاية مريرة تسمى ذهيبة.
بنية كانت تقرا في الإعدادي مواليد1978 وخوها مواليد 1980، و وخيتها بنية صغيرة عمرها سنتين أمها تونسية متزوجة من بوها اللي في نفس الوقت ولد خالتها.. الزوج سكير مدمن على الكحول، والسكرة تجيه على زوجته يضربها لين يخلي دمها سايل، مرة ورا مرة وطريجة بعد طريحة كبر بيها الهم وفي يوم سكر سكرة باهية وضربها بوحشية لين كسرلها سنونها، خذت الأم بنتها الصغيرة اللي قاعدة في حجرها وروحت لتونس، وخلاته مع ولده وبنته.
يا ريت الأمور وقفت عند هذا الحد، الأب المخمور، يجيب في جماعته ويشربوا مع بعض في الحوش اللي فضي من حد عاقل يحط للفوضى ضوابط، يحمي طفلة من تحرش صحاب بوها السكرانيين بيها. ذهيبة مشت لحوش الجيران، المرا ة صاحبة أمها، والبنت صديقتها وتلعب معاها في الشارع وتقرا معاها في المدرسة(اللي هي صديقتي وعائلتها).
البنت لجأتلهم وشكتلهم من ضيم لاحقها، وطلبت منهم يخلوها تبات عندهم في الليل بس لما بوها يشرب، الأم ما قالت شي لكن الوالد رفض بشدة وقال هذا راجل ما يتحشمش وبتاع طاسة، وفكونا من المشاكل معاه، والدة صديقتي حاولت مع زوجها بكل الطرق لحد ما ولت مشكلة بيناتهم و وصلت لدرجة انه هددها بالطلاق لو فتحت الموضوع مرة ثانية.
لكن هل انتهت المشكلة واقفل الموضوع، الباب تصكر في وجه البنية وقالولها باتي في حوشكم، وزادت وصتها ام صديقتي صكري باب الدار عليك بالمفتاح، باش ما يخشلكش حد، وما خشش حد عليها، لان والدها في مرة كان مخمور وخش على بنته واغتصبها، اللي طلعت بعدها للشارع. ولما وصلت الأخبار الام في تونس رجعت على وجه السرعة لكن فات الأوان وكل شي خرب.
الأخ كان واخذ نصيبه من الضرب والشتائم، وكبر ممحوق الشخصية، قاعد مع أمه في الحوش لا يهش ولاينش، عنده حالة نفسية، ويشتغل في القهاوي وكل ما يعرفوا أصحاب المقهى أو العاملين اللي فيه انه اخته هي(ذهيبة) اللي ولت صاحبة سمعة(....) يطلع ويسيب الخدمة.
بعد ما عرفت القصة هذي بشهور خبرتني صديقتي إن ذهيبة جتها للحوش وطبعاً من فم الباب، ورتها نتائج تحليل تبي تعرف شنو فيها.. نتيجة التحليل كانت تقول إنها حاملة لمرض الايدز، وبعد كل هذه السنين على الأغلب ذهيبة تكون ماتت، أو في أفضل الأحوال على فراش الموت.
بنت خذلها والدها، وخذلها الجيران والقضاء والقانون.
أين القانون في بلادي، لماذا لا يوجد لدينا مؤسسات خدمات أسرة وطفل(حقانية) مثل الموجود في بريطانيا؟، لماذا طفل صغير في روضة أطفال يحكي لمشرفته أن جدته تقول لامه: انك ما تجي شي الا(كلبة وخادمة). تبلغ المشرفة، وتتقلع الشرطة وتصبح محكمة وعدل وقانون وتتحاكم الجدة(الباكستانية) اللي جايبة ثلاثة كناين من الباكستان ومانعتهم يطلعوا أو يخشوا، وتخدّم فيهم ليل نهار شغالات تحت شعار إنكم(خدم وعبيد)، ليش ما عندناش نظام شرطة زي بريطانيا، ليش ما عندناش الرقم المجاني 999 إلي تتصل بيهم وفي سرعة الصاروخ يكونوا عندك، يا سيدي بلاش 999 ديروها 888 والا777 وإلا أحسن شي000، ثلاثة أصفار على الشمال زي قيمتنا في بلادنا، ليش هما عندهم خط مجاني مفتوح لخدمات الشرطة والإسعاف، خدمات حقيقية مش تلفيق، وأدق من هكي، غير جيب سيرة العنف الأسري، يشمشموا وراه تشمشيم، صاحبتي من احد دول الخليج العربي، ولدها طايش شوية صغير ومزوجاته من فتاه عراقية، تعارك معاها مرة، علّى صوته عليها يسحاب روحه في بلادهم، علت زوجته حتى هي صوتها، وردت عليه وفي لحظة يلقوا الشرطة فوق راسهم، يحتجزوه ع الكنبة وتلف الشرطة في البيت تفتشه، كيف صار هكي، بسيطة الجيران سمعوا الحس العالي واتصلوا بالشرطة، تقدروا تقولولي قداش مرة صار في بلادنا إنها طبلت وزمرت وما حد قدر يدير شي، ما سمعتوش مرة جاركم قالب الدنيا على صغاره وإلا بنت عمك مروحة حرجانه ضاربها راجلها، ما شفتوش مرة عركة في السوق والراجل يسب في مرته قدام الله وخلقه، وما أكثر الحكايات عن واحدة ضربوها حماوتها، وإلا خنقتها أم زوجها، ليش ما فيش قانون حمى ذهيبة واللي ممكن يكون في موقفها أو موقف زيه أو شبيهه، أي حد ممكن يكون في ظروفها، أي حد ممكن تنحط بنته أو أخته في وضع زي اللي نحطت فيه بنية اسمها ذ هيبة، عارفين الغرب فيه هلبة لبز وجرائم أسرية، وشذوذ جنسي ومرضى نفسيين يعتدوا ع الأطفال وحالات اغتصاب وبلاوي زرقة زي اللي صار مع النمساوية إليزابيث، لكن أول ما بان خيط حقيقة خدتلها العدالة حقها، لان وفوق كل شي في حاجة في أوروبا هي قهرة فينا إحنا الشعوب المتخلفة اسمها القانون، قانون فوق الأبيض والأسود، فوق الغني والفقير، فوق الرئيس وعامل النظافة وما فيش استثناءات، كلمة قوية وميزان مضبوط: القانون والعدل.
تتوقعوا قداش في واحد يعرف بقصة ذهيبة في شارعهم وقداش قصتها مشهورة، شن صار، من تحرك، غير الناس اللي تحكي فيها لبعضها على طاسة الشاهي زي ما وصلتني وزي ما أكيد واصلة غيري ما نقولش الا يا (قهرة وحسرة)، يا ذنب ذهيبة في رقبة منو؟ وإلا على قول الأم التونسية:
- هذه بنتكم يا ليبين وهذا اللي درتوه فيها!

28 أبريل, 2009

الحبة عملت عمايل

في يوم من الأيام، وفي بلاد اسمها ليبيا..
كنت نشتغل في صيدلية، وكانت عندي زبونة سودانية في الثلاثينات من العمر، وهي آية من آيات الله في الجمال السوداني الرهيب، يرهقه بس شوية إهمال وتعب وأمومة لستة صغار، وغير هكي، الذوق واللطافة ما شاء الله، وفي يوم جتني للصيدلية منهارة وتبكي، إن حياتها الزوجية في خطر:
-ظليت احبل يا دكتورة و أولد لحد ما طفشت الزول .

وطفش الزول.. وناقشنا الأمر: يعني أنا كيف نقدر نساعدك يا بلقيس. وبدينا في التخطيط، أول شي اهتمي بمظهرك شوية، ومن عندي من الصيدلية، شرت كريم فرد الشعر المجعد ومعاه صبغة، ومشت للمزين صبغت وفردت الشعيرات اللي ولوا مسبسبات، وزادوها جمال على جمال، وخذت مجموعة ماكياج وطلاء اظافر بألوان قاتمة جدا، وقالتي: هذا اللي يحبه الزول.
وطلعت لشارع الرشيد وبضعت شوية ملابس للحوش، وملابس نوم، وقلنا إلا ما يصير تحسن، وما ننسوش طبعا الجو السوداني الشاعري، قالت ح تعمله زلابية، يحبها شديد، وتقيد الشموع، وأكيد الحنة السودانية في اليدين والرجلين، الله الله..
ورجعتلي بعد أيام في حالة يرثى لها :
مش نافع يادكتورة الزول طفش خلاص ومافيش فايدة.
وخشت في نوبة بكاء ورثاء للذات، وجبتلها مية تشرب وبخيتها بيها، وقتلها غير اهدي وطولي بالك، وحاولت نطمنها ونطلعها من هيستيريا البكاء اللي كانت فيها، وفي لحظة سكتت وعيونها الكبار لمعوا، وشبحت فيا شبحه يبستني في مكاني، وقالت ما فيش غيرك يقدر يساعدني يا دكتورة.
- باهي انا شن نقدر ندير يا ودي، قولي وان شاء الله ما نقصرش.
قالت: صديقتي خبرتني عن الحبة الزرقا، وقالت ما فيش غيرها هي اللي ترد الزول الطافش.
اممممممممم، الحبة الزرقاء قولي من الأول تبي (فياجرا)، حاولت معاها شوية ان ما فيش داعي تفتح الباب هذا على روحها وعلى اسرتها معنويا وماديا لكن في نفس الوقت انا عارفة قداش ولت هـ(الحبة الزرقاء) موضة شائعة، وشرحتلها عليها امتى تتاخذ، امتى ماتتاخذش، وبعتلها نوعية معقولة السعر وريحت راسي من ذنب ممكن يقعد في رقبتي لو انهارت اسرتها وما ا سعفتهاش بـ(الحبة السحرية الزرقااااا)
رجعت اليوم اللي بعده متنكدة آخر نكد تشكي وتبكي:
- كان عايز يذبحني يا دكتورة، يقولي من سمحلك تشتري الحبة الزرقا، وجن جنونة عليا.. يقولي ليش انا شكيتلك والا عجزت تقومي تشتريلي الحبة الزرقاء.
ولمعوا عيونها فيا مرة تانية وشبحت فيا شبحة بديت نعرفها، وقالت:
- بس انت لو عايزة تساعديني، بتساعديني يا دكتورة.
قتلها: بلقيس طلعي اللي في بطنك ومعاش تلفي ودوري، شن تبي، شن قايلتلك صاحبتك المرة هذي.
قالت: الحبة الوردية (البودرية)..صديقتي تقول إن في حبة قوية شديد للستات.
اوكي يعني انت تبي (الفياجرا النسائية)، شوفي أولا أنا ما عنديش في الصيدلية، وثانيا ما ننصحكش بيها، وشيطت ريقي إنها تقتنع ما فيش فايدة، وراسها والف سيف تبي الحبة وبتدفع فيها أي ثمن (هي اللي ح تنقذ مستقبلي يا دكتورة).
قتلها ارجعي بكرة خليني نشوف شركة أدوية جايبتها نوصيلك عليها، وحتى فرصة ممكن تكوني غيرتي رايك.
ثاني يوم جت، مش مغيرة رايها، ابداً بل محكماته ومصكرة راسها، وبلسان سوداني رقيق تلف وادور عليا :انت يادكتورة ح تنقذي أسرتي من الضياع وترجعيلي زوجي، وأنت الوحيدة في العالم تقدر تساعدني.
وشن الواحد يقدر يقول والا يتصرف معاها، قتلها شوفي انا وصيتلك عليها، بس لو تصبري تاخذيها بالمجان.
وكيف بالمجان؟:
- اه كيف بالمجان، يا ستي في شركة أدوية دايرة عرض وبتوزع علينا عينات غالية شوية من الفياجرا النسائية وتبي تشوف تمشي في السوق وإلا لا،وبدل ما تشري وتصرفي فلوسك على حاجة مش مضمونة، جربي النوعية هذي وشوفي رايك.
عجبتها الفكرة وخشت عقلها ،فوتت عشرة ايام و ولتلي، حاولت من هنا لغادي، قاعدة مصكرة راسها تبي الحبة، قتلها بكرة الموعد تعالي بس متأخر شوية عشان تضمني إن الطلبية تكون وصلت.
وجتني في الموعد، وفعلا خذت مني ظرف كنت حاطتلها فيه مجموعة حبوب وكتبت عليهم من برا بالبيروا الاحمر(عينة فياجرا نسائية) واسم الصيدلية.
واخذت بلقيس دواها وطايرة من الفرحة ، فراشة مش سايعتها الدنيا.
لكن اللي كان في الظرف مش حبوب فياجرا، كان فيه حبوب حمض الفوليك(Folic Acid)، فرغتهم من حكتهم وحطيتلها مجموعة منهم.
وأنا ولا للحظة واحدة راودني أي شعور بالذنب إني ممكن نكون خدعتها، لأني ما خذيتش منها فلوس، وانا ما نبيهاش تخش في هلوسة الأدوية هذي وتضيع أسرتها أكثر، وهذه الفكرة مش من بنات أفكاري، في حاجة معروفة في الطب وعند الأطباء بمادة اسمها(Placebo) وهي عبارة عن حقن أو حبوب لا تحتوي مادة دوائية، ممكن تكون محلول ملحي للحقن، أو سكر أو ملح في شكل حبوب أو مشروب، تعطي للمرضى اللي يزنزنوا وما يقتنعوش الا لو خذوا دواء، وهم حالتهم ما تحتاجش، أو النوع اللي لازم يروح بشكارة دواء ويقعد يزرط فيها ساعة بيش يحس روحه تحسن وصحته أفضل.
باهي رجعت بلقيس تاني يوم ولما شفتها قعدت نزمط في ريقي، بصراحة خفت تكون شكت، لأنها مرا حملت و ولدت ست مرات ما شاء الله، يعني واخذه حبوب فوليك اسد لين طالعات من خشومها، ويا ساتر استر.
فتحت باب الصيدلية وخشت، وجايتني تمشي بالشوية بدون ما تنطق حرف، وهي من عادتها أول ما تفتح الباب: السلام(الزلام عليكم) يا دكتورة، كيف الصحة يا دكتورة.
المرة هذي ولا كلمة، أنا قلت ختمتلي ضاع أملي في الحياة، وبلقيس ناوية تجيب آخرتي، وخطوة خطوة لين وصلت فيا وخذتني بالحضن، وأي حضن قريب طقطقتلي عظامي (وانا قريييب، ما فيش داعي نقول، تعرفوا لما الواحد يتمرعش شن يصير في كلاويه...)
وقالتلي:
يا دكتورة ما عندكش فكرة الحبة ديه عملت عمايل؟؟؟!!!!!.
وأنا مسموطة في مكاني مش قادرة ننطق، وما فقت من الصدمة إلا ربع ساعة بعدها، ما قدرتش انقول فيهم آه، ولا رديت ع المرا وهي الدنيا كلها مش سادتها ووجهها مورد وفرحانة، وخلاص يا دكتورة ح يرجع الزول، (وانا نزمط في ريقي ونقوللها في سري، طيب فينا قريب قطعتيلي ضنوتي).
لما سألتني عن السعر، قتلها فكي روحك، خراب بيوت راهي غالية جداً، 35 دينار الحبة الواحدة، يعني انت الجرعة اللي خذيتيها لو بتدفعي حقها ما توفيش معاك المية دينار، بعدين هذي الجرعة كان المفروض نوزعها ع الزبائن لكني كلها اعطيت هالك، وما تنسيش مفعولها يقعد في جسمك فترة طويلة جداً والمهم ان العقدة انحلت وارجعلك(الزول)!!.
المرأة اقتنعت وقالت: انا لازم احافظ عليه دلوقتي وما اطفشه تاني.
ولما تحدد موعد زواجي وسيبت الشغل في الصيدلية، زعلت جدا وكانت تتصل بيا على كل كبيرة وصغيرة لها علاقة بالأدوية تشاورني قبل ماتشريها.
وصار انهم بيرجعوا للسودان، وأنا كنت نجهز في نفسي مسافرة لبريطانيا، وتبي تشوفني لكن ما حصلتلهاش وقت ابداً، وصلتني منها رسالة:
لا اله إلا الله، أنا مش عارفة يا دكتورة وين نلاقى في السودان حد يفهمني زيك.
في آمان الله يا بلقيس.
الموقف هذا من لما صار مأثر فيا جدا، أنا ما كنتش نبي نخدعها، كنت نبي نساعدها، والحمد لله أظن إني نجحت.. لكن خذيته درس في عمري، ابداً ما ننساه. اخدع نفسك.. من وقت لوقت نحتاجوا ان نتحايلوا على ضعفنا واستسلامنا.
من أول ما وصلت لنيوكاسل وانا نشكي ونبكي ونزن ومنكدة ع الراجل، ونتفكر في جداي، وخليت جداي ، لا رجعت لليبيا وارتحت، ولا سكتت وهنيت (الزول) وريحته، قريب طفشته حتى انا.. وبعدين خشيت دورات الكيك واللغة الانجليزية.. وقعدت نقرا في المكتبة طول النهار، ولما بنروح بنطيب لقمة ناكلوها، وفي الليل نطيح من التعب.. وهكي أيامي تفوت، لما نتصل بأهلي، نشتاق وارايف ونقعد نبكي، بطلت وماعادش نتصل ووفرت على نفسي الدموع وحق المكالمات، لحد ما أهلي شكوا في الأمر؟؟ ليش ما عاش تتصلي بينا؟؟؟.
وبأبسط من هكي.. محطة الحافلة اللي مشوار من الكلية والطريق منحدرة، في الجيان ساهلة تلقى روحك تتسلحب تسلحيب، وفي المرواح اطلع الروح، بديت كل يوم ندورلي رشيدة صغيرة ونقعد نركل فيها زي الكورة قدامي، ونلهى فيها، ونلهي روحي.. لحد لما نوصل المحطة، وبطلت الشكوى والتزنزين والنقان: لا المحطة بعيدة ولا الطريق واعرة، ويوم ورا يوم، الرشيدات نحط فيهم في تريكينة نعرفها لين ولى عندي توا كوم رشاد.
المثل الليبي يقول اكذب على رجلك تمشيك، ومن عندي، عمري ما ننسى: الحبة عملت عمايل.