السبت، 8 أكتوبر، 2011

يوميات امرأة ليبية/ وقد حكمني القذافي



وجدت في الانترنت البراح الذي أتمنى، أفرغت فيه ما في جعبتي، كتبت ونشرت كَما ووقت ما شئت، ولعلني سأردُّ على من لا يعرفني، أن الشبكة العنكبوتية أعطتني جمهوراً عريضاً من القراء، المئات والمئات من المتابعين لم أكن لأحظى بمثلهم بنشري في صحافتنا الموقرة، ودعوني أقول صحافة القذافي البائسة، وقد كانت لي تجربة شخصية مريرة معها، وسأحفظ القدر لأهل القدر، إنما أكتب ما حدث ويحدث معي "أنا امرأة ليبية"।

صحف القذافي تبدأ بمسميات قذافية مثلا: (الشمس: أول صحيفة أصدرها القذافي وهو طالب)، الجماهيرية: أكذوبة القذافي اللئيمة، الزحف الأخضر: هنا أريد أن أقف قليلا فقط، تُرى ما قصة هذا الرجل مع الزواحف والقوارض؟، (زاحف اخضر)، ألا يذكركم هذا بالسحالي والأفاعي والثعابين، أليس طعام هذه الأخيرة المفضل هو القوارض، يعني الجرذان، ربما يكون هذا تصوراً في عقله الباطن، فإسقاطه -لنقل على أعدائه ومناوئيه- صفة الجرذان قد يعطيه عنفوان المفترس الثعباني في التهامه، ويكون بذلك إسقاطا بشكل آخر على نفسه، فعندما تصف الآخر بصفة وتشير إليه بإصبعك السبابة، سترى أن يدك المقبوضة تضم أربعة أصابع أخرى تتجه نحوك: ألا انك أنت الجرذ. مجلة المؤتمر من مركز دراسات الكتاب الأخضر لا نحتاج هنا إلى تعليق، وعددا من مجلة البيت (التي أحبها وأحب أن اقرأها) في عيد فاتحي سبتمبريٍ، كل صفحاته من الغلاف إلى الغلاف، صورا مكررة للعقيد القذافي وأهم انجازاته من حارسات نساء شخصيات، إلى كورنثيا الفندق الفخم، الذي يطل على المدينة القديمة الفقيرة المهترئة ووكر الفساد والدعارة والمخدرات، إلى برج الفاتح الرخامي الشاهق، في حين أن الشباب يتضور بحثاً عن شقة أو هي شُقة كما قالت عنها "فاطمة ثعلبة" في رواية (الوتد) لـ"إحسان عبد القدوس"، شُقة جاءت من المشقة.




نعود إلى المرأة الليبية التي تحكي، الصحافة القذافية في نظري كانت أشبه ما تكون بمستعمرة قاذورات جرثومية، يعاني فيها الشرفاء الأمرين، وأنا في بداياتي فتاة عشرينية أكتب القصة والمقال، يرحب بي الجميع وأغلبهم يحاول استغلالي وابتزازي، أخريات يحاولن ازدرائي، كنت شابة يافعة لكني لم أكن غِرة، وفي محاولة للموازنة بين النشر في صحافة القذافي والتنازل عن قيم وأخلاقيات ومثل راسخة رُبيت عليها، لا أجد بُداً إلا أن أنحاز إلى ما رُبيت عليه، فلا إغواء حضور مهرجانات القصة والشعر، والصالونات الثقافية والمعارض في دول عربية وأجنبية مقابل فنجان القهوة مع أحد (الثوريين الخضر، وربما سأقول الزواحف) يُميل رأسي، ولا قدوة لي في إحداهن، آنسة حسناء تطل على شاشة (إذاعة القنفوذ) تُرثينا بنصوصها المريعة، أو سيدة كهلة متصابية، هي سفيرتنا في كل المهرجانات والمحافل المحلية والدولية، أنا المرأة الليبية لا يمكنني دفع ثمن هكذا تذاكر، أفضل الانسحاب والتراجع.



كانت مشيئة الله أن تزوجت كاتبا شريفاً، أفخر به، ويعود الفضل لله ثم له في الحفاظ على شعرة معاوية بيني وبين قلمي، بجلبه لاشتراك (انترنت) داخل البيت، فتح هذا العالم السحري أمامي، اقترب من نصوصي بعين القارئ الناقد، وحجب عين الزوج الرقيب فازدهرت كلماتي واحتضنتني الشبكة العنكبوتية، في ركن صغير أسميته (جواز سفر) أكتب فيه يوميات تجربة عشتها في دولة أجنبية، حيث الديمقراطية وحرية الرأي وقوة القانون، وجمح بي حصان الحق في كلمة عند سلطان ظالم لم أقدر بطشه حق التقدير وأجدني أمام تدوينة أريد نشرها، يقول زوجي: هل أنت متأكدة انك تريدين نشر هذا المقطع।



أقول: نعم أريد وسأفعل



يقول: لكِ ما تريدين، لعله سيجلب لنا الصداع.




كل ما كتبته كان حادثة صغيرة، ملخصها أنني تعرفت إلى سيدة انجليزية مسلمة، هي طليقة رجل ليبي أقامت عشرين سنة في ليبيا منذ عام 1978 ثم طلقت، وعادت إلى بلدها منذ عشر سنوات فالإجمالي هنا ثلاثون سنة، ولا تحمل أي ذكرى طيبة لليبيا ولا لليبيين، وخاصة القذافي فقد كانت شاهدة على أهم جرائمه، تقول: إنه لا فضل لطليقي في إسلامي، عرفت الإسلام بالقرأن، وهو أبعد ما يكون عنه، والليبيين يقولون إن القذافي هو سبب مشاكل ليبيا، لكنهم مخطئون। وتضيف: الطابور في العالم يسير بخط مستقيم، شخص وراء الأخر، أما في ليبيا فهو زقزاق، الذي يأتي آخراً يقص على اللي قدامه بالواسطه، الليبيين لما يبطلوا الواسطة ويصلحوا من حال دينهم القذافي يتصلح.



هذه هي الأقصوصة باختصار، وكما حدثت معي وكتبت ونشرت، ولم تطرف لي عين ولم أخف وقد كنت مخطئة.
اتصل بزوجي أحد أصدقائه وهو كاتب ذو شخصية نزيهة، ولست هنا للمزايدة ومنح هذا رتبة وسحبها من ذاك بل أقول إنها تجربتي الشخصيه، قال لي حرفيا: لا تتهوري فالقذافي خط أحمر لن يتركك أزلامه إن تعرضت له بأي شكل كان، وقد سُجن كتاب وأدباء عشرات السنين، للا شيء، ولتأويلات لنصوص هي أقل وضوح مما كتبتِ.





و هذا ما كان، وكأن بوابة جهنم فتحت في وجهي. من المؤكد أن القذافي لم يقرأ ما كتبت، ولا حتى عناصر أمنه وحاشيته ولا أظن رجال المخابرات قاموا بذلك، وأجزم أنه لا الأمن الشعبي المحلي ولا دوريات الجمارك ولا حراسات الحدود، ولا أي شكل من أشكال القوى الأمنية، إنما المتسلقين وشذاذ الأفاق والمرابين بقيمة الإنسان، هم من أرسل لي ذلك الكم من التهديدات والوعيد ولغة الفحش، لا أزال احتفظ بتلك الايميلات، فكرت مرة إن أقدم لجوءا بها وارفع قضيه في دولة عدل وقانون، لقد خفت وشعرت كأنني استسهلت الأمر، خفت على أبي وإخوتي وعلى زوجي وبيتنا، حتى عودتي إلى ليبيا كنت أظن أنه قد يتم اعتقالي في المطار لكن لم يحدث. اليوم أنا على اليقين أن هناك زملاء/زميلات في التدوين، كانوا يرسلون لي بعض أو كل تلك التهديدات، وهم/هن استغلوا في الشبكة العنكبوتية سهولة انتحال أي شخصية والكتابة بأسماء مستعارة وصفات ورتب، وقد حذفت هذا الموضوع، لكنه انتشرا في الكثير من المدونات.




لقد كتبت ونشرت وخفت وتعلمت درساً، لقد حكمني بالخوف، ظللت أكتب، أصف وانتقد وأحكي ويظل ذكر اسمه غصة في حلق قلمي، نشرت بعض ما كتبت والبعض الآخر في طريقه إلى النشر. أتجرأ أحيانا بتعليق مكتوب في إحدى المواقع باسمي الحقيقي، انسحب وأتقوقع أحياناً أخرى، أجاهر واصمت، خطر لي ذات مرة أن أرفعها للقضاء الليبي وكانت فكرة أشبه بالنكتة. أما اليوم فنقول (شفشوفة) المخلوع، سأكتب في فضاء الحرية، وخصوبة القانون وأرفع رأسي فوق، فأنا امرأة ليبية حرة.