الاثنين، 4 يونيو، 2012

يا زهرة الياسمين


خرجنا ثلاثتنا متجهين نحو سفارة البلد المعني لاستخراج (فيزا) الذهاب إليها، كان زوجي قد تكبد عناء رحلة طويلة بدأت عند السابعة صباحاً من موقعه الصحراوي حيث يعمل الى طرابلس، ووجدني في انتظاره مع طفلنا في صالة المطار، حين انطلقنا كان كلامه كله حول عمله وقلة التنظيم الاداري الذي يؤخرهم يوما وراء يوم، وقد يقطع حديثه بملاحظة عن سيارة مسرعة اجتازتنا ملقية خلف ظهرها، بل تحت عجلاتها الأربع كل آداب وأخلاقيات وقواعد المرور، لا علاقة لها بالإشارة الضوئية ومفاهيمها، أما أنا فقد كنت خارج كل هذا، أتساءل في خاطري عن آخر مرة أحضر لي فيها زهوراً؟ أعني زوجي الذي بجانبي المزمجر: لما لا يخطر عليه شيئا صغيرا وجميلا كهذا؟، وأنا لما أنتظره لما لا أحضرها له بالنيابة عنه؟ أو أحضرها له من أجله، فمن بنفسه جمالاً يرى  كل  الوجود جميلا(1)، وأنا أمة الله أرى جمال الوجود.
عندما وصلنا السفارة المعنية، لاحظت مباشرة أن هناك كشك زهور في الجانب المقابل، قال لي: انتظري في السيارة سأتقصى الاوضاع أولاً. لكنه تأخر فاغتنمت الفرصة وذهبت الى الكشك لأجد صاحبه يقلم بعض الاغصان ويتثاءب

قلت له: أريد باقة ورد، كم الأسعار عندك؟.

سرعان ما بدى لي أن الرجل استثمر وقوع كشكه الصغير في شارع خلفي فخم، يكاد ينعدم فيه المارة، إلا من ذوي السحنة الشقراء وسيارات الهيئة السياسية الفارهة.
قلت له: لا أظن أسعارك تناسبني إنها أضخم من ميزانيتي لذا سأشتري وردة واحدة فكم سعرها.
التقط زهرة صغيرة وردية اللون وقال هذه بدينار وخذيها مجاناً.
اعترضت مباشرة، أني لا أقبل الهدايا من البائعين ورحت أبحث في حقيبتي وجيوبي عن دينار فلم أجد، وما كان لدي سوى ورقة مالية ذات فئة العشرون دينار.
قال لي: خذيها وفقط، لما تعقدين الأمور!. حملت الوردة وعدت مسرعة الى السيارة فقد تذكرت أن هناك دنانير في الدرج وأحضرت له ديناران، الآخر مقابل زهرة حمراء متفتحة أعجبتني منذ البداية.

كنت جالسة أنتظر حين حملت نسائم الظهيرة أريجاً عبقاً دخل من نافذة المركبة المعدنية، نبهني أن هناك شجرة ياسمين مزهرة تظللني مختفية خلف شجرة الطريق التي لا أعرف نوعها، رحت أجمع بعض الاغصان الصغيرة منها وأضيفهن حول الزهرتين فرحة بباقتي، تكبر وتملأ يدي، كنت أبحث في سيارتي عن خيط أجمع به الورود معاً ولم أجد حين انتبهت أن شريطاً عريضاً من قماش (التول الأبيض) الذي يستعمل لتزيين السيارات في الافراح  قد علق برجلي، اللهم بارك، صرت أحمل مابين يدي باقة الزهور التي تمنيتها قبل حين.

عاد زوجي من السفارة بعد غياب لأكثر من ساعة ونصف وهو غاضب من الاستهانة بوقت العباد والتلكؤ، حتى إنهم لم يردوا على أي جرس رن عليهم بسؤال او استفسار.
قلت له: هون عليك وهذه باقة الزهور أهديها لك. فقال :أممم رائحتها جميلة
قلت: طيب التقطها وشمها.

قال: لا داعي أشمها من مكانها. واسترسل في الحديث عن موظفي  السفارة وما لاحظه الناس على موظفيها من عنصرية، غير أني كنت أقول لنفسي كيف أغير حديثه هذا وبأي طريقة شهرزادية أسرد له لملمتي للغصون الخضراء والبراعم الفواحة ونحن في عز الظهر؟ فجأة علت من مذياع السيارة الحان وكلمات تقول: فكرتيا يا زهرة الياسمين فكرتينا يا زهرة الياسمين.

هنا رحت أُكبر وأهلل هاتفةً: ومن نفسه بها جمال.. يرى كل الوجود  جميلا. وبسلاسة وهدوء دخلت أجواءاً ياسمينية ظهيرتنا حملتنا الى مقهى نحب ان نتردد عليه ونشرب فيه (الكابتشينو).

مساءاً اتصلت بي قريبتي لتخبرني أن والدها مختفٍ منذ أكثر من ثلاثة أيام وأنهم يظنون أنه مختطف من أجل المال، قبل أيام خبر اختطاف الطبيب هشام بن خيال وتعذيبه، واختفاء شاب من كلية الطب البشري جامعة طرابلس، يُعتقد انه مختطف، واختطاف شاب آخر والعثور على جثته وصوره تملء الفيس بوك، واختطاف شابين من غدامس وتعذيبهما وموت أحدهما والآخر يرقد في العناية المركزة بين الحياة والموت.

ليلة الخميس حين جاءتني رسالة أن (صفاء) وهي طبيبة ومطلقة في الـ27 وحامل ومطاردة من طليقها الذي أحال حياتها إلى جهنم، قد انتحرت. ومن قبلها ابن عم صديقتي انتحر، وصديقتي ذاتها حاولت الانتحار وكانت مؤيدة للقذافي بشكل سلمي فطردت من عملها وهددها أحدهم بالاغتصاب، وآخر كان زميلها أخذ على عاتقه أن ينشر صورها في الانترنت والجرائد، بالرغم من اعتذارها، وبالرغم من أنها لا تقدم ولا تؤخر، وأنها فقيرة وما كانت صاحبة مال أو سلطة غير أن واقع الحال يقول عن أولئك (عليش قادر ياجحا/ قال ع الحمير القصير). وبالرغم من أنه بإمكاننا أن لا نقف عند صغائر الأمور في الوقت الذي تنادينا ليبيا للتصالح وسيكون جميلاً لو جلسنا تحت عريشة الياسمين وشربنا معاً فنجان قهوة صباحي ساخن، كما دعت له الكاتبة حنان شنيب* بكل المحبة وسؤال ليبيا عن حالها وأقول:  يا ليبيا هل  ستصبحين كولومبيا.
____________________
(1)          بيت من قصيدة فلسفة الحياة لإيليا ابو ماضي  على طريقتي
(2)          الكاتبة حنان شنيب كتبت في صفحتها على الفيس بوك كلاما جميلا فيه دعوة الى ليبيا لشرب القهوة