الثلاثاء، 19 أكتوبر، 2010

يوميات الـــ(Open Door)/2

صباح انجليزي بارد وضبابي ورذاذ المطر يرش وجوه المارة، تقع جمعية الــ(Open door)الخيرية على ضفة نهر
(التاين)، تطل من جهة اخرى على دار الأوبرا ، وطريق طويلة تصل بين بيتي في (فنم وبين شارع مالبورو)اقطعها
سيرا على الأقدام خمسة أيام في الأسبوع مستمتعة ومتبرمة في ذات الوقت، فلا أجمل من السير في جو غائم ومنعش
بعيدا عن حرارة الشمس الملتهبة والعرق والعطش والـ(معاكسات) فلا من يقطع طريقك ولا من (يحذفلك رقم الموبايل
و لا قلة ادب) وان قد حدث معي بعض المضايقات العنصرية بسبب حجابي وهيئتي المسلمة أما (جماعة اللصيقة
والبرادة منقرظين هنا).

لا شيء غير تعب منحدرات الطريق التي تشبه سياج قطار الملاهي المعلق فكأنك تمشي على وجهك تارة وكأنك تتسلق جدار
جبل منحدر تارة أخرى وتصل الــ(Open door)، مصعد صغير وقديم جدا يتسع لأربعة أشخاص يجاوره الدرج
طلوعا على يسار دخولك من الباب الرئيسي
لا يفوت مالكوم أبدا الترحاب بكل القادمين/ يسألنني كيف كان ال(week end) ومن صفاته براعته في إيجاد
موضوع ما يشوقك للتعاطي فيه ويحفز لغتك أن تتدفق، يسألني عن زوجي رامز الذي تعاون معه كمساعد في بداية
ترددي على المكان، فقد كان يصطحبني هناك ويبحث عن شئ ما يشغل فراغه حتى انهي الدرس فالمكان بعيد وأنا اجهل
مساربه إلى أن اقترح عليه مالكوم أن ينضم لفريقه.
في أول نصف ساعة من اليوم الدراسي ، يضع مالكوم ومساعديه صورا على الحائط ويسحب كل طالب حال وصوله
ورقة بها قائمة من الأسماء أو المسميات التي تصف الصور، وعلينا وضع رقم الصورة المناسبة للكلمة أمامها. ثم
يجمعنا معا لنناقش الصلات بين الأسماء وأرقام الصور ولا يخلو الأمر من بعض الفكاهة والضحك وقد يتم استثارة
موضوع ما للنقاش عن طالب جديد من أي بلد أتى؟ أو عن صنف طعام فكما يقول مالكوم وكما تذوقت فهو طباخ
سألنا اليوم إن كان هناك من يعاني من الــ(Home sickness)/ الحنين للوطن.
لن ادخر إجابة عن سؤال كهذا، إلا أن طرح مفهوم الحنين إلى الوطن في رحاب جمعية خيرية اغلب المترددين عليها من
اللاجئين والفارين السياسيين له محاذيره.
يقول الشياشاني وزوجته البارعة الجمال: لا شيء اشتاق إليه في وطني لقد قُتلت عائلتي ودُمر بيتي، رأيته يحترق
بعيني، نجوت مع زوجتي وابني ذو السبعة أعوام بأعجوبة ولا أريد أن أتذكر أي شي عن مكان قطعت ألاف الكيلومترات
فارا منه يلاحقني الموت.
تقول ام ماهر: أنا وطني فلسطين، الانجليز أعطوه لليهود وما عندي وين اروح يا تعطونا الإقامة يا هينا قاعدينلكم
لا إجابة من الأفارقة، غريب أن لا يشعر المرء بأي عواطف سلبا أو إيجابا اتجاه ما قد نسميه وطنا ولربما مجازاً.
نسيم: إيراني كردي أو كردي عراقي أو هو أفغاني طاجكستاني أو هو كل أولئك، لم افهم تعدد جنسية هذا الرجل أبدا،
يرتدي أزياء البتلز الستينية العتيقة بقميص مفتوح حتى ثلثي الصدر وشعر مشبع بالكريم يصففه على الجانب الأيمن
يلصقه بنصف وجهه ويتكلم بلكنه بطيئة جدا و(يمضغ اللبان)، لا انتماءات وطنية له على الإطلاق فيما يظهر .
توشوش في أذني زميلة إيرانية وتقول بلكنة انجليزية مسحوب آخر مقاطع كلماتها بمد الياء مثل كريمة تصبح :كريمه ي ي.
انت تعرفي ان مالكوم يتعامل مع المخابرات الانجليزية؟، وانه يكتب في تقارير أمنيه عن الطلاب اللي يقروا عنده؟ وان
هذا اللي يدير فيه كله علشان يقدروا يعرفوا ظروف اللاجئين الحقيقية ومن يعطوه اقامة ومن يروحوه لبلاده.
تنشر(ميراندي ي) الإشاعة في الفصل حتى تتردد إلى سمع ام ماهر فتطلب مني ترجمة حرفية لما تدعيه الميراندي ي
وافعل.
فتكش (ام ماهر) وتزفر نفسا عميقا مصدرة صوتا استنكاريا عاليا: إييييي ي ي!!!
خلص تعالي نروح نحكيله انا كشفناه وكشفنا عمايله
ام ماهر ما ديريش فيها شارلك هولمز لا كشفناه و لاشي، راجل يقري فينا وما شفنا منه الا كل خير خليك من اشاعات
المرا هذي، هذا كله كذب.
يعني المخابرات الانجليزية بدس جاسوس عليكم ساعتين في الاسبوع علشان تشوف حنينكم للوطن كيف شكله، وهي
الحكومة البريطانية لو بتلزكم شن يمنعها.
يسألني مالكوم: لو اود التحدث عن ليبيا ما أخبرهم؟: أجبته إنها حضارة ثلاثة الآلاف سنة قبل ميلاد المسيح واسعة يكاد
لا يصل شمالها جنوبها مع مفارقة البحر والصحراء تكلمت عن لبدة واكاكاوس، لم أكن غزيرة المعلومات كما ظننت،
تمنيت لو أنني كنت مطلعة بقرب عن تاريخ ليبيا القديم وبشكل أفضل، خاصة مع شعوري أن الرجل الذي أمامي يجاريني
بل ويفوقني معرفة والماما عن تفاصيل ليبية؟ غريب، سألته؟ أنت تعرف الكثير عن ليبيا؟
يقول انه كان يود أن يصبح جيولوجيا لكنه لم يتمكن فظل شغف جيولوجيا العالم قرينه الذي لا يفارقه وهوايته التي كلفته
الكثير من الكتب والرحلات.
ما يعرفه مالكوم عن لبدة لا اعرفه وما يعرفه عن سبتيموس سيفيروس لا اعرفه وما يعرفه عن قورينا وعن شرق ليبيا
وعن بني وليد أيضا وعن وترهونة واكاكوس والواحات لا اعرفه. بل يا ترى ماذا تجيبون لو سألتكم عن الزيتون في
ليبيا؟ مالكوم يعرف عن كثب سيرة الزيتون الليبي وأنواعه. يقول انه بحث عنه كثيرا في السوق إلا انه يدري أن ليبيا
ليست بالدولة المنتجة أو المصنعة أو المصدرة، تخصصها بترول فقط.
انه مولع بدراسة بلدان البحر الأبيض المتوسط، جغرافيتها وتاريخها وطعامها، وقد زارها كلها تقريبا عدا القليل (القليل
منه ليبيا)، شعر في مصر انه مهدد ولم يستمتع بالرحلة (الجربية) التي قضاها في جربة تونس ويتمنى زيارة ليبيا، فقد
قرأ أنها الدولة الأكثر أمانا في دول شمال إفريقيا . وهو كأغلب الانجليز غير متحمس لفرنسا التي يعيش أخاه فيها رغم
طقسها الجميل وطعامها الأفضل.
يقول طالب: بابل العراقية أول حضارة مدنية في التاريخ قبل خمسة ألاف سنة، حامورابي أول من شرع قوانين وضعية
لتنظيم الحياة المدنية العامة، قوانين لا تزال سارية حتى اليوم.
طالب: رجل عراقي له حكاية أخرى.
ماذا عن الديمقراطية يسألننا مالكوم.
تفتخر فتاه هندية ان الهند اكبر دولة ديمقراطيه في العالم، يصفق مالكوم مبهورا بضحكته الجميلة ويؤيدها ويبدي اعجابه
، الزميلة الايراينة تقول ان النظام الحاكم في بلدها قمعي الناس تعاني الامرين من غلاء المعيشة وارتفاع الاسعار
والحكومة لا تأبه و لا تنصح أحدا بزيارة إيران فستمسك الشرطة بكل امرأة لا تغطي رأسها وستسجن كل رجل يضع
(جل الشعر) على رأسه ويخرج للشارع بتسريحة على الموضة.
يسألني احد المساعدين ، السيد ديريك عن النظام السياسي في ليبيا؟ فأشرح له فكرة الموتمرات الشعبيه، يبدو مهتما
ويحاول استيضاح المزيد.
يقول المصري: احنا بننتخب الريس من سنة 81 والناس بتحبوا وبتدعيلوا
الأفارقة لا يتكلمون، لا يعبرون عن أي شئ لا بالسلب ولا بالإيجاب
جون البولندي ينتهز أي مناسبة ليتفاخر بـ(بولندا ذات الفصول الأربعة) أسلوبه فج، يحاول في كل مرة مقارنتها مع
بريطانيا وطبعا النتيجة في صالح بولندا، لطالما ابتلعت كلماتي ومنعتها مغادرة حلقي (كان هو مش عاجباته بريطانيا لها
الدرجة قعد في بولندا وريحنا، هذه اللي اسمها ساسي ومشرط)، على فكرة، من السهل جدا التعرف إلى البولنديين
اقصد تمييزهم من بين الآخرين، فيقولون مثلا للتعبير عن الشقر (ابيض احمر) كتشبيه انهم (موردين والدم في
عروقهم) وبالرغم من (شقورية البولنديين) إلا أنهم (ابيض اصفر او ابيض مبهق) باهتين وأنوفهم طويلة ومعقوفة،
سبحان الله في خلقه، هل أكون عنصرية بهكذا تعبير؟ربما!
نانا اللبنانية : بكل وقار وكل احترام، بكل حضور متميز وكل كبرياء وأنفة، بكل خلق، وكل التقدير اكنه لها، بكلمتين تجيب
من يسأل بلغتها الانجليزية المتواضعة جدا (I see).
وأنا سأتابع في الجزء القادم بعد أيام حكاية طالب العراقي
دمتم بسلام
يتبع

هناك 3 تعليقات:

كـــــــــــــــل شــــــــيء يقول...

احسن الله اليك

ابراهيم خليل يقول...

المدونة جميلة ورائعة وله اسلوب متميز (ابراهيم خليل) وادعوكم الى زيارة مدونتى مدونة الشاعر المصري ابراهيم خليل وتصفح جريدة التل الكبير كوم

محمد نبيل يقول...

مع الأسف ..

لقد كانت سياسات الظلم والاستبداد والفساد والإفساد التى تبنتها معظم الدكتاتوريات العربية الحاكمة لها الدور الأكبر فى تدنى أو انعدام الشعور بالانتماء للوطن أصلاً , فضلاً عن الشعور نحوه بالحنين.

صحيحٌ أنى لا أوافق على ذلك ولا أعتبره مبررا , ولكنه الواقع المر ..

إلا أن الأمل فى عودة روح الوطنية إلى أبناء شعوبنا العربية بدأت تعود من جديد مع ربيع ثوراتنا المباركة.

جزاك الله خيراً أختى الفاضلة.