الاثنين، 8 سبتمبر، 2008

تبدد حفنة من قوس قزح

شاعر الشباب، شاعر الوردة
علي صدقي عبدالقادر
(لما يموتوا هؤلاء ربما لأنهم ملوا هذه الحياة والبقاء اللا مجدي هؤلاء لا يموتون ولوهلة نعتقد بأن الموت لا يمكن أن يطالهم )/ عن مدونة امتداد لصديق غازي القبلاوي عندما رحل الشاعر محمود درويش.
وأذكر أن غازي القبلاوي في مكالمة هاتفية قال:
- عندما سمعت من صديق خبر وفاة الشاعرمحمود درويش كانت ردة فعلي: كيف ما قاللناش، كيف هكي مات!.

رحم الله الشاعر محمود درويش، وعبر مكالمة هاتفية من زوجي :
- فتحتي موقع ليبيا اليوم، على صدقي عبد القادر عطاك عمره.
ذات التساؤل خطر ببالي (كيف ماقللناش ،كيف هكي مات).
علي صدقي عبد القادر صاحب رائعة (بلد الطيوب ) التي كتبها وعاش لها كل حياته فابدع وغناها الفنان محمود كريم، الذي انتقل قبله بأشهر لرحمة الله و كان من أعذب الأصوات الفنية الليبية، لندع لهما بالرحمة والمغفرة، أسكنهما الله فسيح جناته.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).
هذه مقالة للشاعر رامز النويصري كتبت في وفاته شاعر الشباب علي صدقي عبد القادر
عودة الشاعر لحضن معشوقته

رامز رمضان النويصري
-1-
أنا أعادي الملح في فنجان قهوة الصباح
أخاف لحظة الوداع، فالفراق شوك
أخاف أن تضيع وشوشات كفي في الظلام
لذاك لا أحب لوناً يشبه الرماد، وشكلاً يشبه السكين
وأشرب قبل نومي كل ليلة قصيدة
لهذا أرتب حلوى العيد، ولعبي القديمة في صندوق أمي
كي لا أرى في نومي الأحلام المزعجة1.
لا يمكننا اعتبار "علي صدقي عبدالقادر" شخصا عادياً، فهو شخص أحب الحياة وأخلص لها وأعطاها الكثير من كلماته وأحاسيسه، وظلت (يحيا الحب) علامته الفارقة.

وعلى صعيد التجربة الشعرية فالشاعر "علي صدقي عبدالقادر" أو "شاعر الشباب" يمثل مفصلاً مهما في تجربة الشعر الليبي، فمجموعته (أحلام وثورة) الصادرة في العام 1957، صحبة (الحنين الظامئ) مجموعة الشاعر "علي الرقيعي" بداية للتجربة الشعرية الحديثة في ليبيا، لذا فتجربته تختصر تجربة الشعر الحديث في ليبيا، خاصة وهو الشاعر الذي آمن بالتغيير والتجريب، والكتابة خارج القوالب الجاهزة. فخرج عن القصيدة العربية في ثوب الشطرين والشطر وتنويعاتهما إلى الشعر الحر (التفعيلة)، إلى التخلي مطلقا عن الإيقاع إلى فضاء النثر، ورحابة النص المفتوح، واختار لتجربته شكلاً لا يقصد فيه قولبة النص، إنما ترتيبه، حيث يبدأ النص من عنوان رئيسي (ومن بعد يتفرع إلى ثلاث أو أربع عناوين.. حيث يعمل الشاعر في هذا الشكل على الكتابة بشكل متوازي، وأعني أن الشاعر ينطلق في ثلاث توازيات يقارب فيها المشهد، وهو مازال يعول على أجزاء الصورة التي يريدها الأجزاء الصغيرة التي يراها هو)2.

كم أشتهي

إني أضمك، ضاحكاً، أو باكياً، أو خائفاً
ذا لا يهم
ما دمت متحداً معك
كالطفل تدمع عينه، ولسانه يمتص حلواء
وأدس أنفي فوق نحرك
لأشم عمري
خوفاً من الغول، الذي يدعونه بالذاكرة
تطفو عليها حادثات، أبتغي نسيانها3.

وعاد الشاعر إلى حضن معشوقته، إلى الأرض التي طالما تغنى بها، وباهى بها بلاد العالم، وراهن على ملحها وياسمينها وفلها، ونسائها اللواتي علمنه كيف يبتسم كل صباحٍ، وهو يقبل فنجان قهوته.
عاد الشاعر لينتشر في خضرة النباتات، وألوان الزهور، وغناء العصافير. يتسرب إلى الماء فينضح الشجر قصائد وأشعار.
عاد الشاعر ليبدأ حكاية جدية، فصلاً جديداً، حباً جديداً. عاد ليبدأ من جديد.
-2-
على الصعيد الشخصي، يمثل لي الشاعر الراحل "علي صدقي عبدالقادر" قيمة ثقافية وإبداعية حركتني بطريقة غير مباشرة للنظر أكثر لإمكانات النثر، وما يمكن للمفردة من طاقة شعورية، وللجملة من قدرة على التشكل.

سأحاول أن أختصر تجربتي مع الشاعر من خلال لقطتين، هما أول ما استدعتهما ذاكرتي حال قراءتي لخبر وفاته.

لقطة أولى:

ليلٌ وسكون، وجلسة تجمعني بالشاعر "علي صدقي عبدالقادر" والأصدقاء: خالد شلابي، إبراهيم الككلي، مراد الجليدي. اللقاء تحت رعاية مهرجان زلطن (أبريل-1999). كانت المرة الأولى التي أكون قريباً فيها للشاعر "علي صدقي عبدالقادر".

في هذه الليلة تعرفت عن قرب إلى شاعر الشباب، عرفت لماذا التصق به هذا الاسم، ولماذا كان يختم بـ(يحيا الحب)، ولماذا كان يحب "فاطمة".

في هذه الجلسة تحدث الشاعر عن الكثير من ذكرياته، لم يتحدث عن نفسه، إنما عن ذكرياته ومعشوقته مدينة (طرابلس)، تحدث عن طرابلس القديمة أو المدينة القديمة، عن الناس عن الشوارع، عن (الضهرة) و(شارع الضل) حيث ألححت عليه في الحديث عن هذا الشارع، حيث أسكن بالقرب منه. تحدث عن (سواني سكره)، الميناء، القلعة أو السرايا الحمراء، وتوقف عند أحد أزقة المدينة القديمة وتنهد، أدركنا إن شيئاً في البال أو حكاية ما تسكن هذا الشارع الذي دخله الشاعر من (الأربع عرصات) ولم يذكر اسمه، فقط سرب إلينا رائحة الورد والياسمين التي كانت تنبعث من أحد البيوتات في ذلك الشارع.

برشاقة، قفز بنا الشاعر إلى أهم الفنون التراثية الطرابلسية –على حد تعبيره-، حدثنا عن طقسه وتشطيراته وأسمعنا الكثير منه، إنه (البوقالة)، وذكر قصة عن فتاة قابلته من وراء الباب وقالت:

أسمك علي والعلي عالي

يا جوهرة في العقد يا نقش خلخالي

دير روحك طبيب وتعال شوف حالي

نصلي أنا وياك في جامع العالي.

لقطة ثانية:

عندما دخل إلى المكتب، لم أجد إلا أن أبادله الابتسامة قبل السلام، وهو الذي تسبقه يده بالسلام.

جلست على الكرسي المقابل له، وبدأ هو في قراءة نصه الذي خص به صحيفة الشط، وطلب مني أن أطلع على النص حتى أضمن أن يتم تنضيده دون أخطاء. ثم مد لي صورة له، حتى يتم إرفاقها بالنص حال نشره.

قمت من فوري لوضع نص الشاعر ضمن الملف الخاص بالعدد، وتسجيل المادة، بينما كانت أذناي معه، وهو يتحدث عن الشاعر "علي الرقيعي". عند عودتي إليه، أخرج من جيبه الداخلي مغلفاً رقن على غلافها اسمي مسبوقاً بلقب "أستاذ". تشوشت بوصلتي للحظات، ولم أدر إلا والشاعر "علي صدقي عبدالقادر"، يسلم مغادراً.

عندما فضضت الظرف، وجدت بداخله رسالة بخطه –المميز-، يشركني فيها على تقديمي لنصه (مدينتي.. اسمها طرابلس الحب)، الذي نشر بصحيفة الشط4.

في إحدى زياراتي لمكتبة المعارف، وبعد حديث مع عمي "رجب الوحيشي"، سحب من الرف خلفه، رسالة وضعها فوق حزمة الجرائد والمجلات، وهو يقول:

- يسلم عليك الأستاذ "علي صدقي".

لم تخطئ عيني طريقة الرقن لاسمي، ولا شكل المغلف، كأنه هو من 6 سنوات، لكنه هذه المرة، يشكرني على (عندما يعيد الشاعر ترتيب بيته)5، وكنت نشرت هذا الموضوع في جزأين عن تجربته الشعرية بصحيفة الجماهيرية.

بذات المكتبة، التقيت الشاعر قبل مغادرتي إلى (نيوكاسل)، تمشيت معه قليلاً، لم نتحدث عن الشعر، إنما عن الحاسوب والإنترنت ونشر الشعر عبر الإنترنت. عند باب سيارته، سلمت عليه وأخبرته أني أسافر قريباً للدراسة، وأن موعد سفري لم يحدد بعد. ودعني بابتسامة، وراقبته كيف اندس في سيارته، وهو يمرق بها في (شارع الوادي) المزدحم.

رحم الله شاعرنا "علي صدقي عبدالقادر". وأسكنه فسيح جناته.

______

هوامش:

1- علي صدقي عبدالقادر (قبل نومي، أشرب قصيدة.. وأرتب لعبي). صحيفة الجماهيرية_ العدد: 4199_ 9-10/01/2004.

2- رامز النويصري (عندما يعيد الشاعر ترتيب بيته). صحيفة الجماهيرية (الملحق الثقافي)_ العددان: 4692، 4698_ 12-13/8/2005، 19-20/8/2005.

3- علي صدقي عبدالقادر (صرخة) شعر_ لبنان 1965.

4- رامز النويصري (طرابلس والابن البار). صحيفة الشط_ العدد: 484_ 03/08/1999.

5- الهامش رقم 2.

هناك 4 تعليقات:

nasimlibya يقول...

عظم الله اجرنا جميعا ف فقيد الوطن ولامة
اللي مزعلني ومكدرني التجاهل الدائم
والغير العادل لشخوص ناس اثرو الوطن ورفعو رايته ف العالي لماذا؟؟
اكيد شفتي عزيزتي كريمة صور الجنازة وما كتب عن ايامه الاخيره ومرضه ؟؟
بارك الله فيك والبشمهندس رامز
وقوس قزح باقي لم ولن يتبدد صدقيني لان بصمة المرحوم محفورة فيه

Sarora_S.K يقول...

السلام عليكم،
رحم الله الشاعر "علي صدقي عبدالقادر" وجميع أموات المسلمين، وأكيد أعماله الخالدة حتقعد حية تحكي عليه...
سلام

"صاحب الظل الطويل" يقول...

السلام عليكم
رحم الله الشاعر القادير شاعر الشباب على صدقي عبدالقادر
قدر الله مشاء فعل للاسف ان مرض شاعرنا الكبير ووفاته توافق مع احتفالات الفاتح والاستعدادات ليها وهدا هو السبب في اعتقادي في التقصير اللي صار من قبل وزارة الثقافة الليبية
عموما لا اعتراض على قدر الله وإن لله وإن اليه راجعون

غير معرف يقول...

الله يرحمه

والله كان بمتابة جدي

فقدناه وفقداته العيلة