الثلاثاء، 19 أغسطس 2008

لا ترسلوهن: فماذا بعد إيفاد الليبيات العازبات للدراسة في الخارج؟

خروج الليبيات العازبات للدراسة في الخارج تدعمهن الدولة بمنحة لا بأس بها، أمر كان لا يعنيني لا من قريب ولا من بعيد، لعلني في العموم كنت أشجع تعليم البنات ودعمهن كما علمنا أبي نحن البنات السبع ووضع حدود لسطوة الإخوة الذكور وغير ذلك. مسألة مثل مسألة إرسال الفتيات لوحدهن للدراسة لم تشغلني مطلقا لآني كنت متزوجة من جهة، ومن جهة أخرى كنت سأفكر: أن هنالك فتيات الواحدة منهن بعشرة رجال، ومن جهة ثالثة اشتراط الشريعة لمحرم عند سفر المسلمة، ومن جهة رابعة البعثات وما أدراك ما البعثات موضوع يحتاج (واسطة قوية وكتوف عراض ما نقدرش عليهم).
أما لمن يتساءل عن سبب وجودي هنا في بريطانيا فليست بعثة تعليمية طبعاً، أنا مرافقة لزوجي الذي أرسل لدورة تدريبية عن طريق الشركة التي يعمل بها.
وهنا في انجلترا عند وصولي سمعت من الليبيات في نيوكاسل عن شخصيتين، الأولى سيدة ليبية أحضرت معها أمها التي ليس لها من الأبناء غيرها عندما أرسل زوجها للدراسة، والثانية فتاة ليبية تحضر الماجستير وتعيش وحيدة، فبيّت النية على البحث عنهما وأحببت آن أتعرف على هاتين الشخصيتين، وهنا بيت القصيد.

السيدة البارة بأمها قاتلت المستحيل لتحظي الوالدة بفيزا لدخول انجلترا، فذلك ليس بالأمر السهل فالزوجة مرافقة والأم مرافقة أخرى مع الأطفال وحكاية طويلة. أما الفتاة العازبة فهي حالة تمثل زاوية مختفية في مجتمعنا. عندما تعرفت عليها وجدتني أدخل عالم العازبات الليبيات الدارسات بالخارج من أوسع أبوابه، عالم مخفي أكبر من تكهناتي كلها، فلم اسمع يوما بفتاة خرجت للدراسة بمفردها. بل إحداهن كنت اعرفها جيدا، إحدى خريجات كلية الطب البيطري، عندما تحصلت على قرار الإيفاد، أرتني إياه، ستلتحق بإحدى الجامعات الكندية للدراسة وقالت إن أخاها سيرافقها، هذه الفتاة قابلتها هنا في بريطانيا بعد أن غيرت الجامعة وبدون أي اخ أو أخت مرافقة ، الذي يحدث انه ترسل العائلة المحافظة سواء أن كان ذلك الحفاظ والتحفظ شكلا او مضمونا ابنتها للدراسة بالخارج يسافر إحدى الإخوة معها وفي الغالب لا، حتى ترتب أمورها ثم يعود ويظل هناك شبح الأخ المرافق لأخته أمام الناس، غطاء اجتماعي واهن لكنهم يلجئون إليه، السؤال بعد كل ذلك.
ماذا بعد؟ماذا بعد خروج فتاة مسلمة أنهت تعليمها الجامعي لتلتحق بالدراسة للتخصصات العليا :الماجستير أو الدكتوراه ولم تتزوج؟
لن نكون مجحفين، فالزواج كما في عرفنا قسمة ونصيب لكن العنوسة البغيضة شبح يطوف على رأس الفتاة وإن تحصلت على أعلى الشهادات ستظل (العانس المنبوذة) التي لا يأتمنها أحد أن تدخل بيته. وهذه (العانس المنبوذة) -عذرا للوصف لكنه واقع الحال- تأخذ موقفا هي الأخرى من مجتمعها الذي وسمها بهذه الصفة فتحضي بشهادة عليا من بعثتها القاسية هذه وتقع في ألف مطب من أمراض نفسية واجتماعية وهذه هي الحكاية:
سميرة وسمية، فتاتان ليبيتان في نيوكاسل بسمعة سيئة، الجميع (الليبيون وتحديدا الليبيات) يتجنبهن وهن لهن الأيادي العليا في هذه السمعة السيئة، وبالرغم إنهن متحجبات إلا إنهن غير محتشمات لباسا وسلوكاً يضعن مساحيق الزينة كما في الحفلات التنكرية، ولا يفوتن فرصة للتودد إلى أي رجل ليبي بغض النظر عن ماهيته.
فتاة أخرى، نادية أفضل حالا من هاتان الفتاتان انكفأت على ذاتها وتقوقعت تقول (ما نبيش حد يجيب عليا كلمة) لكنها في ذات الوقت تحولت لشخصية لا أريد إصدار الأحكام المجحفة عليها، لكن يمكنني القول شخصية مستغلة جدا وماكرة وغطاء (ما نبيش حد يجيب عليا كلمة) برعت في إتقانه، فهي قد تقوقعت وتحوصلت على ذاتها واقعة في مطب يُأسف عليها منه جدا، ففي ظاهرها اللطف والوداعة والفتاة البريئة يتيمة الأم التي حاربت جبهة المجتمع بكامله لتحظى بفرصة إكمال تعليمها، لكنها في الخفاء وفي الوجه الأخر من الحكاية، غذت روحها بكم من الكراهية لهذا المجتمع وتحديدا لبنات جنسها من الفتيات المتزوجات، فبالرغم من مقابلتها لهن بكل بشاشة ورحابة إلا إنها لاتطيقهن وتتمنى لهن أسوء ما يخطر ببال بشر، فهي لم تزر أبدا صديقتها وزميلة أيام الدراسة بالمرحلة الثانوية بالرغم من كونهما يعيشان في نفس الشارع تقول: (لا يمكنني رؤيتها مع زوج وأطفال ثلاث. وأنا لا أزال قابعة في بيت أبي الذي أرسلني لبريطانيا وسمة عار على جبيني)، غير أن الأمر ليس بهذه البساطة أيضا وأيضاً.
فتاة أخرى لم ألتقي بها، تدرس القران الكريم في الجامع متطوعة، تقول (نادية) عن الفتاة (الشيخة) أنها وإن تطوعت لتدريس القران الكريم فهي لا تعمل به وبدون أخلاق وهذا وجه ثالث لهذه الحكاية فغير المجتمع والفتيات الدارسات بالخارج هناك حكاية الفتيات مع بعضهن، فهن لا يفوتن فرصة أياً كانت في تمزيق سمعة الأخرى، واللواتي يجتمعن معاً لتجريح أي فتاة أخرى متزوجة.
فقد حدث وأن أسهبت إحداهن معي في الحديث بالانجليزية بدون أن يكون لها أدنى فكرة عن ماهية لغتي الانجليزية، وأحسبها اعتمدت في ذلك على عدم إتقان الليبيات للغة الانجليزية، شعرت أنها تحاول إظهار الفروق بيننا، عصبة المتعلمات الساعيات للحصول على الشهادات العليا ونحن فئة المتزوجات، تركتها تفرغ ما في جعبتها لأجيبها عما كانت تتحدث عنه باللغة العربية، (اللغة العربية ليست صالحة هذه الأيام على ما يبدو).
لا ننسى انهن يتقاضين منحة لا بأس بها، ولا ننسى أن مرتباتهن في ليبيا في أحسن الظروف لن تزيد عن المائتين دينار، فما تتوقعون نتائج العملة الصعبة (1300جنيه إسترليني شهريا)، إنهن يدخرن المال لإجراء عمليات التجميل؟!! وخاصة حقن البوتوكس والسليكون لإخفاء خطوط الزمن وطبعاً في الخفاء أما كيف علمت بذلك فهي الصدفة صديقتي.
الموضوع ذا بعد أعمق مما يظهر عليه، العائلات الليبية تقاطع العازبات، فهن الفالتات من السيطرة في بلاد أجنبية دون رقيب أو حسيب، وهن اتخذن ردة فعل مضادة، يكفي أن تتعرفي على إحداهن وتقولي أنك متزوجة حتى تبدأ: (خيرك لا باس بكري بكري الواحدة تكمل قرايتها أنا خذيت الماجستير وتوا نحضر في الدكتوراه وموضوع الراجل مازال مش مفكرة فيه).
انتقاله لحال الفتيات العربيات هنا في بريطانيا وتحديدا نيوكاسل، في عمومهن لسن أفضل حالا، صديقة سورية تحدثني عن صديقتها البحرينية التي ترى أنها أفلتت من سيطرة العائلة وخاصة الأخ لتفعل ما تريد، ذاتها صديقتي السورية (هي أفضل العازبات التي عرفتهن على الإطلاق) جاءت إلى المملكة المتحدة على حسابها الشخصي دون معونة أو إيفاد لتكمل دراستها العليا، أمها تعمل معلمة وتدخر كل ما يمكنها لترسله لابنتها التي ذاقت المرارات كلها منذ وصولها وارتطامها بواقع مادي عنيف، ابتداء من السكن المشترك مع عائلات تسمي نفسها مسلمة (باكستانية وأفريقية)، حتى البحث عن فرص العمل غير المتوفرة للأجانب بشكل لائق، فمن خادمة إلى عاملة نظافة، إلى نادلة بمطعم (حلال) لسيدة إيرانية، أرتها الذل كله ودفعت لها أزهد الأجور.
صديقتي السورية (الكريمة) برغم ضيق اليد إلا أنها أصرت على استضافتي (عزومة مطنطنة) في أفضل المطاعم اللبنانية في نيوكاسل، هي عرفتني على فتاة سورية أخرى تقول: (يا ارض اشتدي ما حدا قدي) الفتاة السورية الفائقة الجمال الموفدة للدراسة في الخارجة ال ال ال تعاني ذات العقدة، عقدة العنوسة والقسمة والنصيب وبالرغم الفارق الثقافي الكبير بين مجتمعين مثل المجتمع الليبي المحافظ جداً، والمجتمع السوري الأكثر تحررا، إلا أنها ذات الأمراض الاجتماعية وذات العلل.
رجاء لا ترسلوا بناتكم وأخواتكم العازبات للدراسة بالخارج. وإن حافظت البنت على شرفها و دينها إلا أن الأمور أعمق مما تبدو عليه، أي نعم سنكسب والمجتمع، سنكسب كلنا عضوة هيئة تدريس، باحثة أو عالمة، تحمل درجات تخصصية عليا، لكنها ستعود كشبح، كذئب جريح، يحقد على مجتمع لم ينصفه (اجتماعيا). حتى وإن مددنا اليد لهن، فالوقت تأخر، وقد حاولت من كل قلبي. إنهن في طريق اللا عودة.
لا ترسلوهن للخارج.
_________
* الأسماء الواردة بالإدراج، أسماء وهمية لشخوص حقيقية.

الثلاثاء، 29 يوليو 2008

حــكايـات للغــربة_أخــبارنــا

إرسال الفتيات الليبيات بعثات للخارج: مع /ضد ما رأيك؟
عند سماعي أن ثمة فتيات ليبيات جئن لإتمام دراستهن هنا إلى نيوكاسل، والحصول على شهادة الماجستير أو الدكتوراه شعرت بالفخر والاعتزاز. الغربة تريك وجهاً آخراً لوطنك، وتحيطه من كل الاتجاهات، الرؤيا من بعيد تصغر الأمور التي كنت تراها عظيمة، وتريك الأجزاء من الكون التي غفلت عنها. أرى الزاوية الأخرى لعقول البشر، معنى آخر للحرية أو للتحرر، والأدق الانفلات، الشعور بغياب الرقابة في بلد لا يعرفك فيها أحد، لا سلطة للدين أو العرف ولا العائلة، العين هنا ترصد التفاصيل أكثر من عين الوطن.

لعلك تخرج يوماً لأحد شوارع طرابلس وتجد شاباً يترنح، قد يحدث ذلك لما لا، لكن بعد التفاته صغيرة سيخطر ببالك أهله، إخوته، جيرانه، ربما تأتي الشرطة وتلتقطه أو رجال غيورين على دينهم سيغرقونه في سطل ماء، لكنك في بلاد أخرى غير عربية وغير مسلمة يتصيدون لنا الأخطاء، لن يمر الأمر كذلك، ليس بتلك البساطة، فنحن نعطيهم السكين ليذبحوننا، والذرائع حتى يسموننا بالعالم الثالث وقد نحصل على ترقية في الأعوام المقبلة ونصير العالم الرابع.
ألاقي هنا أفكاراً غريبة، تعصب ونزعة عرقية لم أرها من قبل وهذان حادثتان مثال لما أقول: حضرت معنا درساً لتعلم اللغة الانجليزية فتاة جميلة، تدعى "إيمان" وطلبت منها المعلمة التعريف بنفسها فقالت أنها متزوجة وجاءت مع زوجها للإقامة هنا (forever) -وهي فتاة كردية-، فسألتها المعلمة من أين تحديداً فأجابتها من سوريا، وقالت أن لغتها الأم الكردية وتتحدث قليلا انجليزي وفرنسي، فسألتها بلهجتي الليبية: ما تتكلميش عربي؟ فأجابتني باقتضاب:لا لا

إن لم تتكلم العربية، كيف فهمت سؤالي وأجابتني بلسان طليق (أنا مسلمة)؟.
ليس هذا كل شئ، فتاة أخرى ليبية، كانت ستكتب لي شيئاً، فاعتذرت وطلبت أن تمليني وأنا أكتب، أو آن تكتبه باللغة الانجليزية، فاللغة العربية ليست لغتها؟، لغتها الأم الأمازيغية (الجبالية)، ثم الانجليزية، السؤال:
الفتاة موفدة من ليبيا للدراسة، فأين تبخرت السنوات الإثني عشر من عمرها التي مضت بين التعليم الأساسي والمتوسط، تدرس باللغة العربية، وديانتها الإسلامية، كيف تؤدي فروضها، كيف تقرأ القرآن، بالأمازيغية؟.
أنا لست ضد أي ثقافة، بل على العكس تماماً أرحب بكل الأعراق والأجناس لكن تحزنني هذه النعرة المقيتة، وهذا التنكر والتعالي على لغة لا ننسى أن القرآن نزل بها، وهذا ليس كل شئ: التحقت بمركز الـ)ـInternational House) لتعلم اللغة الانجليزية، وهي مؤسسة كبيرة، وفي المركز التقيت بشباب مختلطٍ هو من كل الدنيا وما يعنيني هم الطلاب العرب: من دول الخليج ومن العراق وليبيا، فتيات يرتدين ثياباً غير محتشمة وشباب غيبت الخمر عقولهم حتى تعجب الإنجليز لحالهم، خمر في وضح النهار.

بريطانيا كلمة عقيمة لا تلد، الناس هنا يتخبطون في حال من الذهول والفوضى الروحية، يركضون وراء وقت مرابي يسرق أيامهم ويعجزون عن دفع تكاليفه، وأموال رغم أنها (عملة الصعبة) لا تشبع بطن الغلاء الفاحش في هذه البلاد وتفاصيل من الارتباك ترويها حكاياتنا: سيدة مصرية مسلمة مقيمة هنا تفتتها المرارة فقد فقدت السيطرة على بنتيها المراهقتين، أفضلهما تعود لتبيت في المنزل، أما الأخرى فلا تطرقه بالأسابيع تقيم مع صديقها الانجليزي في بيته، سيدة مصرية أخرى أطفالها يتكلمون عربية بالكاد مفهومة بل لهجة مصرية بالكاد تفك طلاسمها.
معلمة تدرسني اللغة الانجليزية أخبرتني في حديث جانبي ذات مرة، أن والدها سوري (من سوريا) تزوج والدتها التي كانت انجليزية يهودية وطلقها، وهي بعد طفلة صغيرة لم تتجاوز الثامنة، وعاد إلى سوريا وأخذت هي الجنسية والديانة من أمها ولا تعرف والدها أبداً.
سيدة هولندية هنا، متزوجة من رجل ليبي منذ أكثر من ست سنوات اعتنقت الإسلام على يديه، وبعد عامين ونصف من زواجهما قال إنه سيذهب ليزو أهله في ليبيا، وذهب ولم يعد يكالمها هاتفياً، وهي في حال ارتباك هل تطلب الطلاق، أم تظل تنتظره فهو يعدها أنه سيعود يوماً؟.
سيدة انجليزية أخرى تدعى اعتنقت الإسلام على يد أحد الرجال الليبيين هنا في بريطانيا وتزوجا، وانتقلا للعيش في ليبيا، وغرقت في مشاكل (الحماة والسلف والسلفة) حتى طلقت بعد عشرين عاماً من الزواج، عاشتها في ليبيا وفي أصعب ما مر على ليبيا من ظروف. تقول بلهجة ليبية واضحة: مكتوب.. نصيب، أنا مسلمة لأني قريت القرآن وفهمت الإسلام، وعشان هكي بعد عشر سنين من الطلاق وأنا عايشا في بريطانيا. أنا محافظة على ديني. لكن الليبيين مش مسلمين مزبوط. الليبيين في واسطة وفي كذب ويقولوا بعدين حنا في مشاكل مع القذافي هم الليبين لو ما غيروش نفسهم كيف القذافي يتغير.

الجمعة، 13 يونيو 2008

ليلة 6/5/2008 الـــ(العصيدة/ صحتين وعافية يا هيلينا)

كان لي موعد مع هيلينا اليوم التالي لرحلتنا الساحرة تلك، خرجنا معاً والأصح هي من اصطحبتني، المساء جميل لكن الجمال الذي يملأ الروح ويكفيها، لا يملأ المعدة التي لا تكف تطالب وتصرخ: (شرهان جائع......شرهان يريد طعاماً.......شرهاااااااان جااااائع)
والحقيقة أنه كان هنالك (شرهانان جائعان، معدتي ومعدة هيلينا) وازداداً يصرخان بعد أن انتشرت روائح السمك والبطاطا (fish and chips) الشهية، يلتهمانها فتاتان انجليزيتان جائعتان، يسيران أمامنا ويزيدان جوعنا. دعوت هيلينا لتناول العشاء معنا، ووافقت بعد تردد وخجل: إنها العاشرة مساءاً قد لا يرغب رامز في ضيوف في مثل هذا الوقت!.
- لا عليك، رامز سيرحب بأي ضيف في أي وقت، وأنت لست ضيف أنت جزء من عائلتنا، ربما نعد سندوتشات التونة والجبن، بعض عصير البرتقال سيكون منعش بعد هذا التعب... –فكرة- بمناسبة هذا البرد القابع ولا يريد أن يغادر، في بلادنا نعد طبقاً يسمى (عصيدة) من الماء والدقيق ورب التمر، وهو جداً فعال لمقاومة البرد ويعطي طاقة عالية ودفء والاهم يملأ المعدة، هل تتحمسين لتجربته؟!، سيكون مختلف.
هيلينا قبلت أن تجرب العصيدة وعلى هذا اتفقنا، ومن هذا صدم زوجي عند دخولي البيت وإخباره أنني سأطبخ عصيدة لهيلينا؟؟؟؟؟!!!!!!. - لالا حرام عليك تصدمي البنت، عصيدة مرة واحدة*!!! زوجي في حال ذهول لا يصدق ما يجري، انجليزية وعصيدة!، أحيانا يضحك أحيانا يبتعله الصمت وهو يراقبها تساعدني في إعداد هذه العصيدة.
بالنسبة لي، قليل من الغرابة لا بأس به في حياتنا، لن ألوم هيلينا إن لم تعجبها عصيدتنا، فأنا لم أكن أفضلها أبداً، وكانت أمي تخصني بإفطارٍ لي عندما يكون إفطار العائلة (عصيدة)، وهنا بحثت عن رب التمر وتعلمت إعدادها، إنه الحنين وبرد هذه البلاد الغريبة الذي يجعلنا نشتاق لتفاصيل كنا لا نهتم لها في أرض الوطن، تفاصيل صغيرة وقد نراها بلا أهمية تترك ندبة حسرة عميقة في حنايا القلب، أذكر أشياء لم أكن ألتفت لها: - الفلفل الانجليزي الخشن السميك يريني كم كان جميلا فلفلنا الأخضر اللذيذ، الخيار، الباذنجان، الحبق، المعدنوس النعناع، التوابل، مذاق الطعام ورائحته الشهية.
أمور تتبدد بين ثنايا خيال الذاكرة تصير ثمينة كلما أخذك جواز السفر بعيداً، (قعد الكسكسي وقصعة البازين وفرادي خبزتنا الرخيصة والطيبة عصيدة الميلود، وشواء العيد ولمتنا وحكاياتنا حتى نقاشاتنا وعراكنا ومشاكلنا.....). أشياء تخطر ببالي لم أقف عندها من قبل أبداً: البقرة التي تسميها أمي (سعيدة بق بق عيني) في مزرعة أبي، دجاجتنا وأرانب أخي الصغير وقطيع الغنم يتراقص فيه حملان توأمان، شجرة التوت أمام البيت، شجرة الليمون القمرية المسماة باسمي....... لكل منا شجرة باسمه.
سأحاول مقاومة سيل الذكرى لأكمل سرد ليلة العصيدة مع هيلينا. بدون إطالة، جهزت العصيدة ولبعض الاحتياط، حتى لا نترك (شرهان معدة هيلينا جائع) حضّرت سندوتشات تونة وجبن وعصير.
ما الذي تتوقعنه قد حدث؟؟؟!!!، لا شيء غير انه قد وافق هوى العصيدة هوى هيلينا وهوى هيلينا هوى العصيدة، وانتقل ذهول زوجي لي، في حين أن زوجي غرق في نوبة دهشة جحظت لها عينيه، عندما كان يرى الفتاة الانجليزية تأكل العصيدة بيديها، تقطع اللقمة وتغمسها في الرب وترردد: يمي يمي،......يمي delicious
ووفاء لعادتنا الليبية الأصيلة لا انفك اطلب منها أن تأكل المزيد.. المزيد. فأنقذها زوجي وأخبرها: الحسي أصابع يدك فتكف عن إلحاحها. وما سمعت تلك الكلمات حتى راحت تلحس أصابع يدها. صحتين يا هيلينا وعافية
وهيلينا تعلمت أن ترد: (سيلميك) أي سلمك.
بعد أيام وصلني هذا الإيميل منها: Please can you also send me a recipe for Acida ( I am not sure how to spell it!). I told my parents about it and they were interested so I may try and make it for them one day! Where could I buy the date syrup in Newcastle do you think?
ستصنع لوالديها العصيدة

الأحد، 8 يونيو 2008

رحلة إلى جزيرة الاحلام

أرض السحر والجمال، أطء الآن الجزيرة المقدسة بقدمي، أرسل عيني في الأفق، تترنح بين نسيم البحر العليل وابتهاج أسطول البجع السابح فيه وخضرة التلال المزقزقة مهللة للنوار
أين أنا؟
إنها الجزيرة المقدسة Lindesfarne:
جزيرة مدّية مِنْ الساحلِ الشمالي الشرقيِ لإنجلترا، يقطعها المد مرتين في اليوم، فيمحو أثر العابرين ويجبر المتشمسين على العودة إلى الوراء، الخلجان الصخرية والبرازخ المنمنمة، البيوت الانجليزية الطراز، القديمة، القلاع، الحصون، الكنائس ودير العبادة، كل شئ كما هو، كأنه بني البارحة وليس قبل عشرة قرون، الأساطير وحكايات الأولين عن حروب أدمت الساحل، نبوءة لمجاعة عظيمة اجتاحت المدينة بعد ظهور تنين ينفث نارًا في السماء لحقته زوابع وأعاصير تلاه هجوم الاسكتلنديون عليها، ومقاومة الرهبان للغزاة الوثنيين، أخبار تزيد الجمال وله الغموض وارتباك المغامرة لدخول بوابة الزمن الغابر.
أنا في كل هذا، أحاول اغتراف كل ما يمكنني من عبق التاريخ وتعبئته في سرداب الروح، زوجي راح يحلق في الأخضر اللا متناهي، يحاول التقاط كل ما يمكنه من سحر هذه الطبيعة الغناء بكاميرته الرقمية، والصحبة ودودة وجميلة، هيلينا من ليوتن، ستيورت من ايرلندا، ،راندي من غانا، بول وسارة من نيوكاسل، وإنا وزوجي من ليبيا،
عقب هاتف لهيلينا تسألنا إن كنا سننضم للرحلة أم لا، وقد حُزم الأمر عندما تنازل زوجي عن يوم في عطلة الأسبوع لدراسة مقرره، فغادرنا عند الثامنة صباحاً تصطحبنا هيلينا في سيارتها الخضراء الصغيرة على طريق امتد لساعتين كاملتين، الأمر كان مفاجئاً لنا، جمال المكان لا يصدق، سحره لا متناهي، وعلى عادة الانجليز فنجان الشاي الصباحي المقدس، جمعوا المال لابتياعه، وهيلينا دفعت في إصرار لنا ثمن فنجاني الشاي وهي تردد: انتم ضيوفي.
بداية صباحية موفقة تدحر نظرية بخل الانجليز المعششة في رأسي ورؤؤس الجميع هنا، أكملنا جولتنا في جزء مهم من الجزيرة يحوي دور العبادة والكنائس والمباني الأثرية الصغيرة، وهو في ذات الوقت محمية طبيعية للطيور والحيوانات يسكنه ويعمل فيه صيادون، بالطريقة البدائية بالشباك مبتعدين عن عقد التكنولوجيا، في هذه الجزيرة المحجوزة من العالم حكراً على الجمال وحده، والنائية والصامتة عن كل ضجيج وصداع.
أخذتنا هيلينا وبول بسيارتهما لنزور جملا آخر انها: Berwick upon tweed مدينة أكثر ضجة وازدحام تتخللها المحلات التجارية والحدائق لكنه في ذات الوقت تقليدية بسيطة تشرح كل عقد الانجليز.
الناس يعيشون داخل أسوار القلاع القديمة الصامدة في وجه الزمن، انهم يعملون في الزراعة والجمال، نعم الجمال، وما أجملُ من بيت صخري قديم منمق على ساحل البحر يغرق في تلال الزهور، أكاد لا أصدق أني هنا، افتح عيني، النسيم العليل يهفو بي في ملكوت الله، وإبداع خلقه، سبحان الله، سبحان الله فيما أبدع.
الانجليز شعب خبر الحروب والغارات، منذ ألاف السنين، وتطور لها وتجهز، ولو أني أتسائل من يعيش في أحضان هكذا جمال ليس عليه إلا أن يكون ملاكاً رحيماً، لكن الحروب تصنع القسوة فالانجليزي الذي غزا الكرة الأرضية حتى صار لا تغرب عن عينيه الشمس، هو حفيد هذه الحضارة العتيدة الممزوجة بالدماء على صفحة الأخضر الممتدة.
رحب الرفاق بنا، شرحوا لنا عن وطنهم، واعتزاز الانجليزي بدمائه (الزرقاء)، سألونا عن ليبيا ولم نكن ننتظر السؤال حتى نسهب الغزل في ذلك الوطن الرقراق، راندي أبدى حماسه ولهفته وعشقه لسياسة القذافي، الرجل لم يخفي ذلك عن مستضيفيه، يقول: القذافي وحده من سيخرج أفريقيا من الفقر والجوع، وان الاتحاد الأفريقي المعرقل، هو حلم الآن، لكننا سنراه قريبا لان القذافي يدفع بالحلم للولادة من رحم الخيال، وموقف القذافي الرادع للغرب ومواجهته لهم بمعادلته لموازين القوة تجعله معبود الملايين الأفريقية، أثلج صدري كلام راندي، أسعدني ذلك وأفقت على رائحة الغذاء
حان وقت الطعام، وهذه مفاجأه أخرى، طبعا نحن استعدينا، وطبخت الكثير من الأصناف، من جهة لان الطعام كان مشترك وموزع على الجميع ومن جهة أخرى حتى لا نقع في فخ الإحراج فنحن لنا دين يحكم طعامنا ولا يمكننا مجاراتهم فيما يأكلون،
كل منا وضع الأصناف التي أحضرها على حافة الحاجز الصخري مقابلين للنهر ولاعبون يتزلجون على سطحه، عن نفسي أعددت أرزاً و(محشي ورق العنب) ومجموعة من السلطات المشكلة، راندي كان قد أعد كباب وفاصوليا وعدد من السلطات الإفريقية، الغانية، اللذيذة، الغريبة، هيلينا أعدت مجموعة متنوعة من السندوتشات و فطيرة انجليزية تقليدية شهية، أما بول وسارة وستيورت فقد تكفلا بالصحون والملاعق والأكواب البلاستيكية والمشروب الغازي والبطاطا (التشبس).
كل شخص يقدم لبقية الرفاق ما أعد، وهذه أيضا خالفت المبدأ الانجليزي (help your self) فكان كرماً دولياً منقطع النظير، أدارت هيلينا احتفالية الغذاء الدولية هذه وطبلت أن يشرح كل منا ما أعدد ومما أعده، وبدأت بأطباقها، ثم أطباقي ثم أطباق راندي في جو من سخرية ستيورت من صديقته الـ(جوردية) لعدم إتقانها لأي من فنون الطبخ وتركها إياه يتضور جوعاً،
ما أدهشني وتركني في حال ذهول، أنهم ولأنهم يعلمون أننا مسلمون لا نأكل لحم الخنزير أو أي من مشتقاته، وعداه يجب أن يكون اللحم حلال مذبوح على الطريقة الإسلامية، لا نشرب الكحول، صنعت هيلينا ساندوتشات السلمون بدل الدجاج ولم تضف الكحول لفطيرتها، وراندي ابتاع لحماً حلال من قصاب مسلم، والاخرين أحضروا البطاطا (التشيبس) وقد تأكدوا من خلوها من أي من مشتقات أو نكهات لحم الخنزير، كان كرماً رائعاً، امتنه وزوجي لهم.
في طريق العودة المسائي ابتاعت هيلينا ثلاث نبتات طماطم، تريد زرعهم في فناء منزلها،
هذه الصور ستحكي ما عجزت عنه وقصر لساني وقلمي في وصفه.
تمنياتي برحلة ساحرة.

الخميس، 22 مايو 2008

تظاهرات انجليزية وصباحات طرابلسية

24/4/2008

خرجت في جولة والى أين؟، طبعاً إلى مركز المدينة، يقال إن أغلب مدارس التعليم الأساسي والمتوسط أقفلت اليوم أبوابها في نيوكاسل إضرابا واحتجاجاً على تدني قيمة المرتبات، وما همي في هذا كله (انا بنطلع وندهور ويحل الانجليز مشاكلهم والا يخلوها.. يدبروا راسهم).

خرجت مع فتاتان في ربيع العمر تدرس إحداهما بالمرحلة المتوسطة والأخرى بالمرحلة الإعدادية، وأنا أمني نفسي بأني سأريهما الأماكن الأثرية القريبة في المدينة، وسآخذهما إلى (Discovery Museum) وأيضا (art gallery) وسنمر على البوابة السوداء (black gate) والى المكتبات واشرح لهما كيف يمكنهما شراء الكتب عند التخفيضات وأولى الشروط هي الذهاب إلى مركز المدينة سيراً على الإقدام، فأنا لا استعمل الحافلة إلا إذا كنت مصابة بوعكة صحية جليلة، الفتاتان صعب عليهم التصديق أنهما سيسيران إلى (السنتر) مشيا على الأقدام، وفعلا، سرنا رويدا حتى وصلنا الى (eldon square) . وهناك بدءا في سبر المحلات التجارية واحداً واحداً وراحت كل مقترحاتي أدراج الرياح، (أي متاحف يا ابلة كريمة من مازال يدور فيها ). أحسست أني عتيقة جداً وقديمة (وموضتي طايحة).
(بعد خطرها، سيدة ليبية نصحتها بأخذ أطفالها ليزوروا الـ(Discovery Museum) فسألتني علاش هو شن فيه تخفيضات؟ قتلها لا هو الدخول مجاني لكن أسعاره لداخل شايطة فيها النار، أنا ما شريت شي غير تفرجت؟؟؟؟؟؟؟؟ متحف وتخفيضات هذا اللي ما خطرش ببالي ابدا؟؟!!!!!!)
أخذا الفتاتان وقتهما في المركز التجاري وخرجنا إلى الشوارع أخيرا، ما يعجبني في مركز المدينة أن به حياة ودفق أحداث جديد متنوع في كل مرة أزوره، شركة لطعام القطط تقيم احتفالا صغيراً للدعاية لمنتجها ولتوعية المواطنين (قال ايه..... القطط تأكل طعام غير صحي وعلينا أن نهتم لها، أما ناس فاضية وخايبة) الشباب والفتيات يرتدون ثياب تنكرية للقطط سوداء ويضعون أقنعة على وجوههم، يصرخون:
مياو مياو مياو مياو مياو مياو ميـــــــــــــــاو
يخدشون الهواء بمخالبهم، يوزعون الملصقات والشارات الدعائية، يضعونها على ثياب المارة، الفتاة الصغرى رفضت رفضا قاطعا تقول: (حتى لو كلاب في الهم عزا، لكن قطاطيس هذا اللي ناقصني).
سرنا في اتجاه محل تجاري آخر، عندما مرت بجوارنا مجموعة شباب يحملون لافتات ويهتفون، على عجل اتفقنا أن يسبقانني للمحل بينما الحق أنا هذه التظاهرة فأفهم ما يحدث، (لم يعجب ذلك رفيقتاي كثيراً، كل ما تشوفي حاجة يا ابلة كريمة تبي تعرفيها؟! /.........الله غالب الفضول ضاربني شن بندير)
لحقت المتظاهرين وفهمت، وخيراً فعلت، أنهم يحيون ذكرى غزو العراق، يحيونه بتأكيد اعتراضهم على الحرب ويطالبون الحكومة الانجليزية بالانسحاب من الأراضي العراقية وترك العراق وحاله.

فاجأني ذلك كثيراً، الشباب والفتيات ذوي البناطيل المتهدلة والتي تكشف عوراتهم، الملونين لشعرهم بالوردي والأزرق والأخضر، يخرمون شفاههم وأذانهم ويعلقون بها الحلقات المعدنية، ذلك الشباب الذي حتى انه يدعو للشفقة، يذكر يوم غزو العراق ويعترض، يحملون صورة الرئيس الأمريكي جورج بوش مشوهة، وينعتونه بالإرهابي العالمي.

في حديث جانبي مع إحدى الفتيات المشاركات: "نحن ضد الحرب وضد احتلال العراق تماما"، فعلقت، لكن هذه الضد لم تقف في وجه تدمير العراق بشكل كامل، فتأسفت لذلك وطأطأت رأسها خجلا أما أنا فتمنيت لو أتراجع عن كلامي وندمت عليه؟

في زاوية أخرى من الشارع تقف عربة عسكرية، الفضول أيضا قادني إليها، يقف على بابها جنديان بزي عسكري وقور، تعرض صوراً من ملامح الحرب في الأراضي العراقية، صور فقط، فالجنديان لا ينطقان بحرف، سأكون صادقة أنا لم أفهم الموقف، التقطت الصور فقط، هل هم مع أم ضد، لست أدري، لكم أن تخمنوا.
عند تمثال المونيمنت تجمهر المحتجون ضد الحرب، وبدء وصول دفعات أخرى، من الانجليز، هاتفين ومنددين، ليس ضد حرب العراق هذه المرة، بل ضد الحكومة، إنهم المعلمون والمعلمات الانجليز، يطالبون بزيادة مرتباتهم، يصرخون بصوت جهور (fair pay for teachers) ، بعض المحتجين صعدوا أعلى التمثال الذي يطل على المدينة رافعاً يده ويبدو أنه محتج هو الأخر. أخبرتني صديقة انجليزية (ليست هيلينا) أن المعلمين يتقاضون 24,000جنيه إسترليني سنويا، هؤلاء اللذين لهم خبرة تربو على العشر سنوات، أما المعلمين الجدد فيتقاضون 12,000 سنوياً، بالمقابل فإن الطبيب العام (general physion) يتقاضى 120,000 جنيه استرليني سنوياً. ولتقريب الصورة فإن الجنيه الإسترليني يساوي2.5 دينار ليبي فقط لا غير.

أرجوا أخذ نفساً عميقاً أولا: شهيق، زفير، شهيق، زفير.
صحيح هذه الأرقام ضخمة ونحن غير معتادين على سماعها خاصة في خانة المرتبات، لا يتقاضاها المعلمون ولا الأطباء ولا حتى بحاث الذرة في بلادي.
ولا أخفي عليكم أنني منذ بدأت في كتابة هذا الموضوع وأنا أتفادى أن أصف لكم إحراجي عندما سألتني (السيدة جيني) عن قيمة المرتبات التي يتقاضاها المعلمين في بلادي.
أي إحراج هذا الذي أنا فيه!!، لا يمكنني طبعاً أن أنتقد بلدي لغريب، ليس من خُلقي (لا، وزيادة انجليز) لكن هل أجيبها أنه يدفع لهم فتات ما يدفع للمعلم الانجليزي، وليت الحال على ذلك، لا أدري من الذي استيقظ ذات صباح طرابلسي جميل مزهر، وأخذ يشطب الأسماء ويضيف ويحذف جل من كان في قطاع التعليم، حتى الذي قضى ثلاثون عاماً من عمره المديد بين فصول الطباشير، ولو أنني أقف مع ما حدث من زاوية أخرى، أن تبنى ليبيا، إلا انه ليس بتلك الطريقة، تماماً كحكاية الهدم هذه الأيام، والتي هي الأخرى يبدو أن احدهم استيقظ ذات صباح طرابلسي جميل ومزهر وأخذ يشطب البيوت والأسواق والإحياء، يبدو أن طرابلس ستتحول إلى عاصمة ثانية بعد باريس في تقليعات الموضة، غير أن الأولى تشتغل بالعطور والأزياء، وطرابلسنا تشتغل على أعصاب الناس وقوتهم ومساكنهم، (حد يوقفني يا جماعة شكلي سرحت مرة واحدة).
عموماً، أنا ألان في المظاهرة التي اختلطت بين هتاف المحتجين والرافضين للحرب على العراق والمنددين بتدني مرتبات المعلمين الانجليز، ومواء الشباب القطط، الذين يروجون لشركة أغذية (القطاطيس).
هذا كله والفتاتان لا يزالان في محل الثياب، التقينا بعد مكالمة هاتفية ليحدد كل منا موقع الأخر، ولم يصدقا، أن كل ذلك حدث وهما بين صفوف القمصان والفساتين.
تحياتي وليلة سعيدة وهانئة دون أن يستيقظ أحدهم في صباح طرابلسي جميل ومزهر، ويبدأ في شطب.................من يدري دور من وماذا هذه المرة؟.