أمامي الكثير لأكتشفه هنا، وأتتبع خيوطنا المتشابكة، نحن العائلات الليبية في هذه الغربة بخليطها المتناقض، ومرارة قد لا يصفها لسان.
في المدة الماضية ُسرق بيت جارتي، كان خطأهم، فقد تركوا الباب الخارجي مفتوحاً فتسلل لصوصٌ مقنعين، وسرقوا كمبيوتر وبعض الأدوات الكهربائية، ولاذوا بالفرار عندما انتبه الزوج لحركة غريبة في البيت، تقول الزوجة أنهم يشكون في شابين وفتاة من الباكستان لهم سلوك مريب، ويبيعون أغراضاً يغلب الظن أنها مسروقة، الزوجة عادت لليبيا فلم تحتمل.
رواية أخرى –سيئة- حدثت العام الماضي، دخل اللصوص شقة عائلة ليبية في وضح النهار بعد أن فكوا قفل الباب، الزوج الغائب يقضي يوماً دراسياً، والزوجة نفساء وضعت طفلا لم يُكمل شهره الأول بعد، اللصوص يبحثون عن أشياء ثمينة كالمال والذهب، وقد خاب ظنهم فلم يجدوا منها في بيت الليبي شيء، فحملوا الرضيع وغادروا، الشرطة الانجليزية (العتيقة والمشهود لها) ، لم تقبض على الجناة ولم ترد الوليد لامه، لا تسألوني كيف وماذا؟ فلم ألتقي الأم لأنها انهارت وعادت ثكلى لأرض الوطن، الليبيات في الجوار انتقلن بعيدا عن ذاك الشارع، وظل شبح هذا الحادث الأليم يطارد الأسر هنا.
ليس هذا كل شيء. فتاة ليبية في السابعة عشر ربيعاً تدرس بالمرحلة المتوسطة تخبرني: (انا كل يوم اراجي امتى بناكل طريحة)، تعيش تحت التهديد، فيمنعونها وصديقاتها من نطق أي كلمة عربية في الفصل: (يتهموننا أننا نسبهم)، تروي حادثة سابقة:
كنا نسير ثلاث بنات في جانب من المدرسة، وانتبهتُ أن أحد الطلاب الانجليز يصوب الكرة ناحيتنا فتفاديتها أنا وزميلتي، لترتطم بوجه ثالثـتنا، وتسقطها الركلة أرضاً مغشياً عليها، وقد تهشمت نظارتها وأصيبت برضوض في وجهها، أسوئها إصابة إحدى عينيها التي غيبتها عن المدرسة لفترة. وهذا فضلا عن شجارهم فيما بينهم والذي حين يندلع لا أحد سيضمن سلامته، ففي إحدى المشاجرات نثر فتى انجليزي حمضاً كان قد سرقه من معمل الكيمياء على جموع الطلبة والطالبات، وفتاة انجليزية تترأس مجموعة فتيات يشكلن (عصابة) ويعتدين على من لا يوافق هوى زعيمتهن.
حادثة أخرى لفتى ليبي استفرد به مراهقي الانجليز وأبرحوه ضرباً بعد أن رد عليهم شتائهم وسبابهم حين تحرشوا به، ونجي بأعجوبة من سكاكينهم وركلاتهم، مما أضطر والدته مرافقته والبقاء معه طوال اليوم الدراسي في الفصل والمدرسة، تحوطه من تهور ونزق مراهقي الانجليز.
هذا الشاب كان جدُ محظوظ بنجاته من أيدي البطش الانجليزية فهناك راوية عن فتى ليبي لقي حتفه في مشادة دفاعاً عن نفسه وعادت عائلته إلى أرض الوطن متخمة بالحزن والأسى.
حادثة أخرى وأخرى_سيئة_طبعاً ومنذ أسابيع فقط، خرج رجل ليبي مسرعاً من المسجد وقد قطع صلاة الجمعة، عقب هاتفاً لم ينفك يرن:
- الحق، ابنك في الرعاية المركزة!!!!!!!!!!
لقد نقلوا الشاب إلى الرعاية المركزة بعد حادثة أليمة، والحكاية، اثنان من المراهقين الانجليز المتهورين، يتشاجران والشاب الليبي يقف جانباً (في فناء المدرسة).
ترك الانجليزي خصمه وانهال على الشاب الليبي (الذي يبدو أنه لا يعجبه شكله) باللكمات وهو يرتدي في يده القبضة الحديدية ذات الأسنان البارزة، فهشم وجه الفتى وحطم عظم الخد بشكل كلي.
لا يقف الأمر عند هذا الحد، فأولياء الأمور ليسوا بأفضل حالا من أبنائهم، فهنا أباء تعرضوا للضرب وشج رأس بعضهم، وآخر ذبح من عنقه دفاعا عن ابنه.
يروي أب ليبيي جاء للدراسة (الحصول على الدرجة الدقيقة المتخصصة=الدكتوراه) مع عائلته، وله ما يقارب الخمس سنوات في محك الغربة وهو المستشار الموثوق والأب الروحي للعائلات الليبية هنا، عن هجوم تعرض له مع أسرته بغصة مريرة:
رد ابنه الأوسط شتيمة مراهق انجليزي، فاشتبكا في فناء المدرسة وكانت الغلبة للفتى الليبي، أما الانجليزي فأضمرها له، وراح يتربص به.
الفتى الليبي أفلت من رقابة والده الذي لا يسمح له بالخروج وحيداً أبداً، بدعوى الملل والرتابة ومطعم حلال جديد كان قد أفتتح بالقرب من البيت (بيتسا بجنيه استرليني واحد فقط) وسيصطحب أخاه معه، يذهبان ويعودان كلمح البصر ولا خوف عليهما.
وخرج الولد وأخاه ليجدا نفسهما عند عودتهما مطاردان، تلاحقهما عصبة المراهقين الانجليز وفي فرارهما لاذا بمحل لرجل كردي، أعطاهما هاتفه ليكالما آبيهما (رفض أن يتصلا بالشرطة من عنده) ولحق الأب أبنائه وفي كل ذهنه أنه سيصطحبهما عائداً وحسب، لكن ما حدث أنه قد تكالب عليهم الفتية الانجليز ولم يحترموا له شيبة، فما كان له من ملاذ إلا أن دس ابنيه في كشك الهاتف ووقف أمام بابه يسده ويحول بين ابنيه وبين سبعة عشر متهوراً انجليزياٍ صلف يحيطون به ويريدون انتزاع الولدين منه وتصفية الحساب، يرمونهم بأسوأ الألفاظ النابية ويناورون بالحجارة والعصي ويلتفون حولهم مرارا بدرجاتهم الهوائية.
الفتى الليبي لا تزال تفور الدماء في عروقه، ويطلب من أبيه أن يخرجه لهم ينازلهم وله الغلبة، شريطة، أن ينازلوه واحداً واحداً ولا يتكاثرون عليه!!!
في البيت، تأخر الزوج والأبناء وما عادت الأم تطيق صبراً فلحقت بهم، وقد تصاعد الموقف إلى أوجه، حاولت التدخل فتلقت ركلة كرة على وجهها.
الفتية الانجليز يحاولون تحطيم زجاج كشك الهاتف، يقذفونه بالحجارة ويندفعون نحوه مسرعين حتى يرتطمون به، مسلحين بالهراوات والقبضات الحديدية، والزجاج يستعصى عليهم. تزامن هذا مع مرور سيدة انجليزية عجوز بالقرب من العائلة المحاصرة، وشهدت حال العائلة، فاتصلت بالشرطة التي وصلت مع أول انهيار زجاجي لأحد جوانب الكشك. وقد افرنقع المشاغبين في كل اتجاه ولا أثر لحظة سماع صفارة سيارة الشرطة.
يخبرنا (الأب): وقف الشرطي مشدوها أمام غضبي الفالت وأنا أسب الشعب الانجليزي والحكومة الانجليزية والقانون الانجليزي، وفي حلقي غصة وإحساس مرير (بالغلبة) اعرف معانيه لأول مرة.
القانون الانجليزي يمنع التعرض للمراهقين ويحميهم، فلا يتعرضون إلي أي مساءلة قانونية (من سن10ـ17سنة)، أي أنه لا يحكمهم القانون ولا تحكمهم أسرهم، ويبدو أن هناك نوع من سياسة غض البصر عن شغبهم.
كيف انتهت هذه المشكلة المريرة.
خرج الفتى الليبي من البيت خلسة واشترى هراوة وسلسة حديدية وحزام جلدي به مسامير ليدافع بهم عن نفسه، بعد أن جمع حوله الفتية الليبيين في المدينة، عاد إلى مدرسته رافعا رأسه بأنفة، وعُقد اتفاق صلح بين الطرفين وقد تعادل كفتي ميزان القوة بينهما، وأصبح للفتية الليبيين في المنطقة هيبة ووزن. ألا يستحق هذا الشاب كل التقدير.
أغلب هذه الروايات تدور بين أسوار مدرسة تسمى الـ(وست جات/West gate community college) في نيوكاسيل، وهي ذات سمعة سيئة منذ أربعين عاما مضى.
هذا غيض من فيض وما خفي كان أكبر.
.. يظل الغرب غرباً، ولا أبالغ إن وصفته بالــ(حاقد)، ولا يعني هذا التعميم طبعاً، لكنه يثبت أنهم لم يتخلصوا من نزعة عنصرية لا تزال تجري في الدماء. أما إثباتاتي فتلك القصص.