السبت، 19 أبريل 2008

أنا والكتب

الاربعاء9/4/2008

التسوق هنا حكاية أخرى، الخيارات واسعة، والعقلية التجارية، تطرح عروضها بذكاء ليس لنا به صلة نحن الليبيون في بلادنا، فلن نجد إعلاناً أمام محل تجاري يرحب بنا، ويعرض علينا تخفيضاً يصل الى 50% و60%، أو يقدم تنزيلاً للموسم:

(Bay one get one free / Bay one get one 1/2 price / 2 for 1 / 3 for 2)
اشتري واحدة والأخرى مجاناً أو اشتري واحدة والثانية بنصف السعر، أمور ٌلا نعرفها.
لا نعرف بطاقات التسوق التي تمنحك تخفيضاً يزداد بازدياد مشترياتك، أو أن تتحصل على بطاقة عند شراءك بقيمة معينة تمنحك تخفيضاً أكبر في موسم التخفيضات.
أذكر أنني كنت أجادل الباعة والتجار -في طرابلس- ليمنحونني تخفيضاً ديناراً أو دينارين، وأجد ذات البضاعة تباع في مكان آخر بنصف السعر وأحياناً بأقل من ذلك بكثير(كل تاجر يغني على ليلاه)

على ذكر التسوق والتجارة، تركت طرابلس ونصف الأسواق الكبيرة تختفي من الوجود، ترى إلى أين وصلت عملية التدمير الشنيعة تلك؟.

منذ وصولي هنا وأنا أشتري الكتب، فمنحتني المكتبة (WH smith )، بطاقة لتخفيض إضافي، لموسم التخفيضات في عطلة الايستر، الذي يتراوح بين الـ20% و60% في الكتب المعروضة والبطاقة تمنحني 20%، خصماً إضافياً من ثمن الكتاب-تخيلوا-.

النهاية، طبعاً سعيدة، فلقد تحصلت على كتب قيمة بسعر زهيد، وماذا أيضاً، هناك كتب تحت التخفيض قبل الموسم، فعلى سبيل المثال: ثمن الكتاب 25 باوند، خفض سعره الى5 باوند وينطبق عليه تخفيض الموسم، ومع بطاقتي الـ20% كان سعره النهائي باوندات قليلة، أي قروش لا قيمة لها مقارنة بالسعر الأصلي، (هذا كله دون أن أجادل البائع ليرأف بمحفظتي الفقيرة بالنقود) وملئت مكتبتي بالكتب، خاصة كتب الطبخ الذي وصل عددها إلى ستة كتب في أقل من شهر ونصف، ولا ينقصني الآن إلا أن أملء معدة زوجي بالأطايب، بدلا من مشاهدته الوصفات وصورها في الكتب بتحسر. اعذروني واسمحوا لي بأن أُغفل وصف المكتبة الشاسعة، يكفينا حسرات التخفيض، وذكريات مكتبات طرابلس الحبيبة.

الجمعة، 18 أبريل 2008

الكثير من الاكتشاف

زوجي في عطلة وهذا مناخ جيد للكثير من الاستكشاف. الثلاثاء8/4/2008
رحلة إلى متحف العلوم (discovery museum):

خرجنا صباحاً -طبعاً سيرا على الأقدام-، فقد سبق وأن أخبرتكم عن الاتفاقية المبرمة بيني وبين زوجي، نقطع الطريق سيراً على الأقدام وثمن تذكرة الحافلة أشتري به قطعة شوكلاتة، ما رأيكم؟
خرجنا وكانت وجهتنا متحف العلوم والاكتشافات (discovery museum)، الدخول مجاني لكل الزوار، الزوار اللذين ستستقبلهم السفينة توربينا عند مدخله، لتحكي قصة الانجازات العلمية، وهي السفينة البخارية الفريدة في عصرها، سنة1884 قلبت هذه السفينة موازين عالم الملاحة، فكانت السفينة الحربية الأسرع التي بلغت 40 ميل/ ساعة (هذه السرعة لا ينظر لها في أيامنا).

المعرض يحوي كل ما له علاقة بـ(توربينا)، وبطاقمها، من ثياب ومذكرات وأدوات، وهذه نماذج من عرضها.

(توربينا) التي يفتتح المعرض مدخله بقوامها الرشيق، يدعوك للمتابعة، في أدواره الثلاثة، ويرحب بك في مزيج من كل تاريخ نيوكاسيل وبريطانيا أيضاً.

سيدة سورية مع طفلها، تصلي لإلهة الماء التي حمتها معه، حتى وصولها الى نيوكاسل، وتقدم فواكهها قرباناً، (تخيلوا سيدة سورية هنا في نيوكاسل قبل مئات السنين؟، ترى كم من الوقت استغرقت رحلتها حتى تصل؟، أما أنا فرحلتي إلى نيوكاسيل من طرابلس الحبيبة مروراً بأمستردام استغرقت حوالي السبع ساعات)، عندما سقطت عيني لأول مرة على مجسم المرأة، لاحظت أنها بملامح عربية، وعندما قرأت ما كتب عنها، استغربت وصول امرأة من الشرق إلى هنا في ذلك الزمان، لكن ما يلغي الاستغراب أن حدود الإمبراطورية الرومانية كانت تضم الشرق الى الغرب، وهكذا جمعت سوريا ونيوكاسل.

ماذا نأكل:

لوحة حائطية أهم ما شدني إليها، أن السيدة تخبرنا، إن غذائهم يتكون من التمر والتين واللحم المطهو بالكثير من التوابل (ولا تمرَ هنا في نيوكاسيل وكل الغرب، ولا توابل أيضاً، إذا ما هو إلا تبادل حضارات، بين الشرق والغرب، والذي لا تهنأ بعض العقول البشرية المريضة، حتى تقلبه إلى حروب ومرارات!، كم ذلك مؤلم)
الصور التالية، بعض مشاهد من مآسي الحروب، الأسلحة التي استعملت فيها وما يمكنه أن يتعلق بها

سيدة أتت من سوريا تشكر الآلهة، وسيدة أخرى من ليبيا مقاتلة (يا عيني ع الليبيات).

بعض السجون ومشاهد التعذيب (كنت معتقلة في ذلك الزمان البعيد ومعذبة وتمكنت من الفرار والعودة إلى الديار، والصورة دليل/(من اللي يقدر ينفي أو يعارض؟؟!!)

أدوات طبية كانت مستعملة، بعضها كان يتسبب في مقتل المريض بطريقة مباشرة.

ثياب وملابس للسيدات في القرنين الماضيين:
سيدة متقدمة في العمر توبخ فتاة انجليزية (يبدو أنها ابنتها)، وتمنعها من الخروج بثيابها غير المحتشمة وبكل تلك الزينة، (الحشمة في الثياب والملبس الان جزء من تاريخ الدول الأوروبية، ويعرضونه في متاحفهم!)
الحرب العالمية وويلاتها: أم تهتم بابنها، صورة من حياة الأهالي في الخنادق، مجندة في الجيش، ممرضة تداوي الجرحى، جندي انجليزي على الجبهة.
صور لاختراعات علمية، ومراحل تطورها.
أنظروا الى هذه الدراجة!
ليس هذا كل شئ، فالمتحف لا يزال زاخراً، سأكمله معكم في مرة لاحقة
إلتقاطة"1":
المتحف يزدحم بالأطفال، مع ذويهم، وفي جماعات، يتعلمون معنى الاختراع، البعض يجلسون في دوائر يرسمون ويلونون، آخرون يجلسون أمام شاشة عرض كبيرة تحكي قصص لأبطال ومخترعين من المدينة، (يا حسرة على أطفال بلادي، يأكلهم إسفلت الطرقات).
إلتقاطة"2"
مراهقون انجليز يعبثون بمحتويات المكان، ضجيج وصراخ (أوضح أنني أبداً لست متجنية على شبابهم اليافع).
في طريق عودتنا مررنا بالحي الصيني، الذي تعلق زينته على المباني والجدران، لسبب أجهله، دخلنا المتاجر الصينية، وابتعنا منها البهارات الشرقية والعربية.

وعدنا بيتنا

الأربعاء، 16 أبريل 2008

البحث عن فاطمة

من أعمال التشكيلية الليبية/ أمينة العتري
أحيانا أخمن ماذا يحدث لو عثر/عثرت إحدى جاراتي الليبيات (هنا في نيوكاسل) على مدونتي وفضح أمري؟ إن أسوء مخاوفي هو فقداني لمادة المدونة أو بالأحرى مصداقية مادتها.

المصداقية التي تأتي بها عين تلتقط بعفوية دون محاباة.
غادرت ليبيا وتركت ورائي صديقاتٍ غالياتٍ على قلبي، أقل ما أقوله عنهن أنهن ما ادخرته في هذه الحياة من نفائس، فاطمة غندور وحواء الحافي وأمينة العتري وآمال الترهوني ود.ثريا وصديقتي زينب عيواز، هالة الطياري.
فاطمة، إذاعية وممثلة مسرحية، ومهتمة بالأدب النسوي الشعبي، والحكايات التراثية. (أبلة العلوم) هو شهرتها في منطقتنا، فقد كانت تدرس مادة العلوم في عصر التعليم المنزلي الذهبي، عبر شاشة إذاعة الجماهيرية، هي جارتي، تقول فيروز: (نحن والقمر....جيران).
صاحبة صوت عذب وإلقاء هادئ للكلمة، لا تنافس فيه، لطالما كانت لي مثال الأخلاق الرفيعة والشخصية الراقية.
حواء الحافي، شاعرة وكاتبة ليبية، درستني مادة اللغة العربية لسنتين متتاليتين، في المرحلة الثانوية وتركت في نفسي عميق الأثر، وفي كل حياتي، فقد دخلت الفصل يوماً واتجهت نحوي لتخبرني أنها قد رشحتني للاشتراك في المسابقة الأدبية الثقافية، التي يقيمها مكتب تعليم طرابلس، وتريدني أن أشارك في مجال الكتابة الإبداعية (القصة/المقال)، لأزال أذكر ذلك اليوم، وذاك الفصل في السنة الثانية ثانوية قسم/علمي، وقولها: كريمة مواضيعك الإنشائية مميزة ولك أسلوب جميل.
الحقيقة أنها أيضا كانت تختار لنا مواضيع مذهلة للكتابة، مواضيع تفجر كوامن دواخلنا وتطلق إبداعاتها، وهذه أمثلة، (من أنا)، (محاولة لكتابة قصة)، (صدى لقصيدة)، كانت معلمة مختلفة.
شاركت في المسابقة مع فتاة أخرى، تتفجر قريحتها شعراً، أذهلت لجنة التحكيم وكل المتسابقين، روعة قصائدها وارتجالها وإلقائها، كانت أعجوبة، لا زالت قصائدها ترن في أذني، وآخر خبر عرفته عنها بعد أسابيع فقط من العطلة الصيفية ذلك العام، أنها تزوجت وتركت الدراسة.
تلك الفتاة فعلا كانت شعلة قصيدة، (الله يحميها أينما كانت).
حصدنا الجوائز في تلك المسابقة، فتحصلنا على الترتيب الأول في كل من القصيدة الفصحى والعامية لصديقتي، والترتيب الأول لي في القصة القصيرة والمقالة الأدبية على مستوى الجماهيرية، تحت رعاية (الابلة حواء).
حواء وفاطمة صديقتان مشتركتان لنا، أنا وزوجي، في مكتب حواء بمجلة البيت في المؤسسة العامة للصحافة تعرفت إلى رامز النويصري (زوجي).
فاطمة وحواء فقدت الاتصال بهما، بعد وصولي نيوكاسل، فحواء لا تهتم بالانترنت وما يتعلق بالكمبيوتر، وأضعت عنوان فاطمة (إيميلها، من يعرفه يجود به علي) ولا أزال أبحث عنه وعنها.
أمينة العتري، فنانة تشكيلية مجنونة فناً، كنا نعبر شوارع طرابلس معاً، وحين نتعب نتجه إلى (البرعي)، المطعم الليبي البسيط الجميل طيب الذكر والمذاق، الخفيفة على الجيب أسعاره.
آمال الترهوني صديقتي الأصيلة، (بنت العايلة) المكافحة والواقفة في وجه غول الحياة اللئيم، يوم مغادرتي ليبيا، وصلت بيتي عند السابعة والنصف صباحاً، وحتى الظهيرة، لم تتركني، وقفت تودعني، حتى غابت سيارة أخي في إسفلت الطريق.
زينب عيواز، زينب صارمة عنيدة، هي كما أقول عنها دائما، وحدها (تقدر أن تقول للصح قف إنك خاطئ) ما انحنت يوما، أمام مغريات الحياة ومساوماتها الرخيصة، رفيقة دربي عبر أيام الدراسة المريرة في كلية الطب البشري.
كل المرارات نشترك فيها معا، وحلم يذبل يوماً بعد يوم، قص الواقع ريش جناحيه، وترك فضاءه للصقور المحلقين في الجو، في كلية دخلناها والعالم حولنا بألوان زهرية، لنستيقظ على قسوة حجم الفساد المتعفن في مكاتبها.
لك الله يا كلية الطب البشري.
د. ثريا، جارتي وصديقتي الحبيبة، النقية التقية الصافية، الأم المباركة، أختي التي لم تبخل بالنصيحة بالدعاء لي يوماً، الغالية على قلبي، تصارع مرضا شرساً، (يارب اشفها، لأجل أطفالها، ومد بعمرها).
هالة الطياري، فتاة جبارة رغم ضآلة الجسم الذي توقف عن النمو ليبقيها في هيئة الثانية عشر عاماً، طبيبة أطفال، تريد متابعة دراستها الدقيقة في دولة أوروبية، والتبحر في علوم الوراثة والجينات، أسميها العملاق.
من يقول أني أبالغ؟؟؟؟.
ومن يدور في ذهنه أنني لولا هذه الغربة وهذا البعاد ما كنت لأنشد فيهن مديحاً.
صدقوني هن من صفوة الفتيات والنساء في ليبيا.
تركتهن وغادرت.
لا أزال أبحث عن صديقة هنا، وجاراتي الليبيات جاراتي، أحترمهن، لكن ولا واحدة منهن أشترك معها في جنوني ومجازفاتي، هن سيدات مشغولات بأسرهن وتفاصيل الحياة اللا معتادات عليها.
صديق مصري لنا، يدعى نبيل، هاتفني هذا الصباح وأخبرني أن فتاة انجليزية تدعى (هيلينا) ستتصل بي، هو لا يعرفها، فقط يعرف والدها، لكنهما، أي نبيل ووالد هيلينا، يتوقعان انسجامنا، والله أعلم.
وأنا في انتظار مكالمة هيلينا لتحديد موعد نلتقي فيه.

الثلاثاء، 15 أبريل 2008

روايات للغربة، كثير من العنصرية، كثير من العنف

أمامي الكثير لأكتشفه هنا، وأتتبع خيوطنا المتشابكة، نحن العائلات الليبية في هذه الغربة بخليطها المتناقض، ومرارة قد لا يصفها لسان.

في المدة الماضية ُسرق بيت جارتي، كان خطأهم، فقد تركوا الباب الخارجي مفتوحاً فتسلل لصوصٌ مقنعين، وسرقوا كمبيوتر وبعض الأدوات الكهربائية، ولاذوا بالفرار عندما انتبه الزوج لحركة غريبة في البيت، تقول الزوجة أنهم يشكون في شابين وفتاة من الباكستان لهم سلوك مريب، ويبيعون أغراضاً يغلب الظن أنها مسروقة، الزوجة عادت لليبيا فلم تحتمل.

رواية أخرى –سيئة- حدثت العام الماضي، دخل اللصوص شقة عائلة ليبية في وضح النهار بعد أن فكوا قفل الباب، الزوج الغائب يقضي يوماً دراسياً، والزوجة نفساء وضعت طفلا لم يُكمل شهره الأول بعد، اللصوص يبحثون عن أشياء ثمينة كالمال والذهب، وقد خاب ظنهم فلم يجدوا منها في بيت الليبي شيء، فحملوا الرضيع وغادروا، الشرطة الانجليزية (العتيقة والمشهود لها) ، لم تقبض على الجناة ولم ترد الوليد لامه، لا تسألوني كيف وماذا؟ فلم ألتقي الأم لأنها انهارت وعادت ثكلى لأرض الوطن، الليبيات في الجوار انتقلن بعيدا عن ذاك الشارع، وظل شبح هذا الحادث الأليم يطارد الأسر هنا.

ليس هذا كل شيء. فتاة ليبية في السابعة عشر ربيعاً تدرس بالمرحلة المتوسطة تخبرني: (انا كل يوم اراجي امتى بناكل طريحة)، تعيش تحت التهديد، فيمنعونها وصديقاتها من نطق أي كلمة عربية في الفصل: (يتهموننا أننا نسبهم)، تروي حادثة سابقة:

كنا نسير ثلاث بنات في جانب من المدرسة، وانتبهتُ أن أحد الطلاب الانجليز يصوب الكرة ناحيتنا فتفاديتها أنا وزميلتي، لترتطم بوجه ثالثـتنا، وتسقطها الركلة أرضاً مغشياً عليها، وقد تهشمت نظارتها وأصيبت برضوض في وجهها، أسوئها إصابة إحدى عينيها التي غيبتها عن المدرسة لفترة. وهذا فضلا عن شجارهم فيما بينهم والذي حين يندلع لا أحد سيضمن سلامته، ففي إحدى المشاجرات نثر فتى انجليزي حمضاً كان قد سرقه من معمل الكيمياء على جموع الطلبة والطالبات، وفتاة انجليزية تترأس مجموعة فتيات يشكلن (عصابة) ويعتدين على من لا يوافق هوى زعيمتهن.

حادثة أخرى لفتى ليبي استفرد به مراهقي الانجليز وأبرحوه ضرباً بعد أن رد عليهم شتائهم وسبابهم حين تحرشوا به، ونجي بأعجوبة من سكاكينهم وركلاتهم، مما أضطر والدته مرافقته والبقاء معه طوال اليوم الدراسي في الفصل والمدرسة، تحوطه من تهور ونزق مراهقي الانجليز.

هذا الشاب كان جدُ محظوظ بنجاته من أيدي البطش الانجليزية فهناك راوية عن فتى ليبي لقي حتفه في مشادة دفاعاً عن نفسه وعادت عائلته إلى أرض الوطن متخمة بالحزن والأسى.

حادثة أخرى وأخرى_سيئة_طبعاً ومنذ أسابيع فقط، خرج رجل ليبي مسرعاً من المسجد وقد قطع صلاة الجمعة، عقب هاتفاً لم ينفك يرن:

- الحق، ابنك في الرعاية المركزة!!!!!!!!!!

لقد نقلوا الشاب إلى الرعاية المركزة بعد حادثة أليمة، والحكاية، اثنان من المراهقين الانجليز المتهورين، يتشاجران والشاب الليبي يقف جانباً (في فناء المدرسة).

ترك الانجليزي خصمه وانهال على الشاب الليبي (الذي يبدو أنه لا يعجبه شكله) باللكمات وهو يرتدي في يده القبضة الحديدية ذات الأسنان البارزة، فهشم وجه الفتى وحطم عظم الخد بشكل كلي.

لا يقف الأمر عند هذا الحد، فأولياء الأمور ليسوا بأفضل حالا من أبنائهم، فهنا أباء تعرضوا للضرب وشج رأس بعضهم، وآخر ذبح من عنقه دفاعا عن ابنه.

يروي أب ليبيي جاء للدراسة (الحصول على الدرجة الدقيقة المتخصصة=الدكتوراه) مع عائلته، وله ما يقارب الخمس سنوات في محك الغربة وهو المستشار الموثوق والأب الروحي للعائلات الليبية هنا، عن هجوم تعرض له مع أسرته بغصة مريرة:

رد ابنه الأوسط شتيمة مراهق انجليزي، فاشتبكا في فناء المدرسة وكانت الغلبة للفتى الليبي، أما الانجليزي فأضمرها له، وراح يتربص به.

الفتى الليبي أفلت من رقابة والده الذي لا يسمح له بالخروج وحيداً أبداً، بدعوى الملل والرتابة ومطعم حلال جديد كان قد أفتتح بالقرب من البيت (بيتسا بجنيه استرليني واحد فقط) وسيصطحب أخاه معه، يذهبان ويعودان كلمح البصر ولا خوف عليهما.

وخرج الولد وأخاه ليجدا نفسهما عند عودتهما مطاردان، تلاحقهما عصبة المراهقين الانجليز وفي فرارهما لاذا بمحل لرجل كردي، أعطاهما هاتفه ليكالما آبيهما (رفض أن يتصلا بالشرطة من عنده) ولحق الأب أبنائه وفي كل ذهنه أنه سيصطحبهما عائداً وحسب، لكن ما حدث أنه قد تكالب عليهم الفتية الانجليز ولم يحترموا له شيبة، فما كان له من ملاذ إلا أن دس ابنيه في كشك الهاتف ووقف أمام بابه يسده ويحول بين ابنيه وبين سبعة عشر متهوراً انجليزياٍ صلف يحيطون به ويريدون انتزاع الولدين منه وتصفية الحساب، يرمونهم بأسوأ الألفاظ النابية ويناورون بالحجارة والعصي ويلتفون حولهم مرارا بدرجاتهم الهوائية.

الفتى الليبي لا تزال تفور الدماء في عروقه، ويطلب من أبيه أن يخرجه لهم ينازلهم وله الغلبة، شريطة، أن ينازلوه واحداً واحداً ولا يتكاثرون عليه!!!

في البيت، تأخر الزوج والأبناء وما عادت الأم تطيق صبراً فلحقت بهم، وقد تصاعد الموقف إلى أوجه، حاولت التدخل فتلقت ركلة كرة على وجهها.

الفتية الانجليز يحاولون تحطيم زجاج كشك الهاتف، يقذفونه بالحجارة ويندفعون نحوه مسرعين حتى يرتطمون به، مسلحين بالهراوات والقبضات الحديدية، والزجاج يستعصى عليهم. تزامن هذا مع مرور سيدة انجليزية عجوز بالقرب من العائلة المحاصرة، وشهدت حال العائلة، فاتصلت بالشرطة التي وصلت مع أول انهيار زجاجي لأحد جوانب الكشك. وقد افرنقع المشاغبين في كل اتجاه ولا أثر لحظة سماع صفارة سيارة الشرطة.

يخبرنا (الأب): وقف الشرطي مشدوها أمام غضبي الفالت وأنا أسب الشعب الانجليزي والحكومة الانجليزية والقانون الانجليزي، وفي حلقي غصة وإحساس مرير (بالغلبة) اعرف معانيه لأول مرة.

القانون الانجليزي يمنع التعرض للمراهقين ويحميهم، فلا يتعرضون إلي أي مساءلة قانونية (من سن10ـ17سنة)، أي أنه لا يحكمهم القانون ولا تحكمهم أسرهم، ويبدو أن هناك نوع من سياسة غض البصر عن شغبهم.

كيف انتهت هذه المشكلة المريرة.

خرج الفتى الليبي من البيت خلسة واشترى هراوة وسلسة حديدية وحزام جلدي به مسامير ليدافع بهم عن نفسه، بعد أن جمع حوله الفتية الليبيين في المدينة، عاد إلى مدرسته رافعا رأسه بأنفة، وعُقد اتفاق صلح بين الطرفين وقد تعادل كفتي ميزان القوة بينهما، وأصبح للفتية الليبيين في المنطقة هيبة ووزن. ألا يستحق هذا الشاب كل التقدير.

أغلب هذه الروايات تدور بين أسوار مدرسة تسمى الـ(وست جات/West gate community college) في نيوكاسيل، وهي ذات سمعة سيئة منذ أربعين عاما مضى.

هذا غيض من فيض وما خفي كان أكبر.

.. يظل الغرب غرباً، ولا أبالغ إن وصفته بالــ(حاقد)، ولا يعني هذا التعميم طبعاً، لكنه يثبت أنهم لم يتخلصوا من نزعة عنصرية لا تزال تجري في الدماء. أما إثباتاتي فتلك القصص.

الاثنين، 7 أبريل 2008

اليوم 5/4/2008

صباح بارد وأنا كسولة متكاسلة فهذا السبت أول أيام عطلة الايستير والتي تستمر لأسبوعين، وعلى اتفاق مع زوجي مضمونه أننا سنخرج ليريني سوقا لم أره من قبل، أنا بخلت بنشاطي فالأنباء تحذر من تساقط الثلوج والرياح والفراش الصباحي دافئ وجميل، فخرج زوجي وحيدا لأمور تهمه وقد فشل فشلا ذريعاً في إيقاظ همتي واستسلامي للكسل المتبطر في عظامي.
بعد حين هاتفني (كريمة فاتاتك مظاهرة صينية للسلام) قفزت من الفراش الدافئ الجميل وقذفت الأغطية ورائي (انا جاية) استغرب زوجي هبة النشاط المفاجئة وحاول إقناعي وتذكيري أنني لم أخرج معه صباحا مخالفة لاتفاقنا هربا من برد الثلوج ولفح الرياح ولا فائدة ترجى، فطرت لقيمات قليلة ولبست ثيابي على عجل ووصلته في وقت قصير جدا أدهشه وقد أخذت الطريق ركضا (رجلي في غمري).

المونمنت (monument ) هو مركز المدينة وهو تمثال منتصب لرجل يقف أعلى منصة دائرية يطل على كل المدينة ويحييها بيده وليس لي أي معلومات تاريخية عن ماضيه (حتى الآن)، دعونا ألان مع تظاهرات أهل الصين.
يصطف الشباب الأسيوي الأصيل في صف واحد يحمل الرايات والإعلام والشعارات واللافتات المناهضة للعنف والتعذيب في بلاد التبت، يوزعون منشورات تحمل صورا لحقيقة امتهان كرامة الإنسان في بلاده، مطالبين بالسلام. السلام فقط.

في آخر الصف شاب فلسطيني يحمل العلم الفلسطيني وعلى يمينه شاب سوداني يشرح معنى دين الإسلام ويدحض تهمة الإرهاب عنه ويوزع المنشورات والكتب على الانجليز.

وليس هذا كل شئ ففي ركن واجهة محل لبيع الملابس النسائية طرحت فرقة موسيقية آلاتها وراحت توزع زحام الشارع إلى الحان ونوتات.

وفي وسط الشارع وقف ثلاثة هنود (أحفاد الهنود الحمر لا أعرف كيف انزلقوا من تاريخ الأيام ولم تطلهم يد الانقراض العنصري البغيضة)، بآلاتهم العتيقة وألحانهم كعصف الريح في بطون الأحلام، وولادة لصدى حقيقة تصم أذن الظالم.

الانجليز الذين يحملون خطيئة قتلى الهنود في أعناقهم، رقص بعضهم على الألحان الخالدة لحضارة قاومتهم بدمائها وبعضهم ألقى عبارات السخرية والاستهزاء، وأكثرهم وقف منصتا لمعزوفة الحياة وألقى ما جادت به يده في حقيبة الهندي.

أما أنا فأحمد الله أن ركلت الغطاء الدافئ والفراش الوثير، ولحقت بزوجي في عباب البرد القارص، وقد أخذ رنين ألحان الخلود في عروقي مساره.

صححت هذا اليوم خطاء أظنه تاريخيا، كيف نحسب أن الهنود الحمر انقرضوا ولا يزال صفير ناي حضارتهم الجبارة يشق عباب السماء وصدور القتلى والسفاحين.

نهاية اليوم مررت بمكتبةwhsmith واشتريت كتاب الطبخ الرابع منذ وصولي.